أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الواقعية الساذجة

الواقعية الساذجة

realistic

عام 1982 في كاليفورنيا بأمريكا، كان القسيس غارى جرينوالد معارضاً شديداً لإنتشار موسيقى و أغاني الروك بين الشباب في أمريكا. و كان ذلك منطقياً، فتلك الأغاني امتلأت بإيحاءات جنسية وموضوعات عن المخدرات والجنس وتناول المشروبات الكحولية والإجرام. ولكن اعتراض غاري على أغاني الروك لم يكن لذلك السبب، فمن وجهة نظره أي شاب مسيحي مؤمن فور سماعه لتلك الموضوعات بشكل مباشر سوف يرفضها قطعاً و لن يتأثر بها. مشكلة غاري مع أغاني الروك كانت فيما دعاه باسم الرسائل المعكوسة أو الرسائل الخفية، حيث كان يرى أن تلك الأغاني تحتوي على رسائل خفية يمكن سماعها فقط حين يتم الإستماع إلى الأغنية بشكل معكوس، و أن تلك الرسائل بشكلها هذا تنفذ إلى عقول الشباب الغير مدرك لوجودها، دافعة إياه إلى سلوكيات خاطئة كثيرة.

و لنشر قضيته، بدأ غاري بعمل مؤتمرات و ندوات عن خطر تلك الرسائل المعكوسة في أغانى الروك، يذهب إلى مدينة أو قرية، يدعو قاطنيها من أهالي الشباب، و يبدأ في عرض فكرته كالتالى:
يذكر مثالاً لأغنية روك مشهورة، يخبر الحضور عن محتوى رسالتها الخفية المعكوسة، ثم يقوم بتشغيل تلك الأغنية بشكل معكوس ليستمع إليها الحضور ويتأكدوا من صدق إدعائه، فيسمعوا فعلاً الكلمات التي أخبرهم بوجودها!
ثم يقوم بذكر مثال لأغنية أخرى، و أخرى، و أخرى، حتى يتيقن الحضور فعلاً من خطر تلك الرسائل الخفية على عقول أبنائهم وسلوكياتهم. وغالباً ما كانت تنتهي تلك الندوات بتحطيم الأهالى لاسطوانات أغاني الروك التي يمتلكونها، للتخلص من تلك الرسائل الشيطانية.

ندوات و مؤتمرات عديدة نفذها غاري، و في كل مرة تتنتشر قضيته أكثر فأكثر، مما دعى إحدى المحطات الإذاعية التي تذيع أغاني الروك إلى تناول الموضوع لمعرفة مدى مصداقيته، مستعينة في ذلك بإحدى أساتذة علم النفس بجامعة ليثبرديج بكندا، جون فوكى.
و كان السؤال: هل فعلاً هناك رسائل معكوسة بتلك الأغاني؟ و هل تؤثر على الشباب الذي يستمع إلى تلك الأغاني؟

لم يجد جون فوكى في علم النفس ما يرد به على ذلك السؤال، فقرر إجراء تجاربه و أبحاثه الخاصة هو و زميله دون ريد. و كانت التجربة هي تسجيل مجموعة من الجمل و العبارات، مختلفة في محتواها ولغتها وجنس قائلها وكونها سؤالاً أو جواباً، و إحضار مجموعة من البشر كعينات إختبار ليستمعوا إلى تلك العبارات ثم يجيبوا عن بعض الأسئلة المتعلقة بمحتواها، لتحديد ما إن كان البشر قادرين على إدراك تلك الرسائل أم لا و التأثر بها .
كانت نتيجة ذلك البحث، أن البشر قادرين على تحديد لغة العبارة، و جنس متحدثها، و ما إن كان المتحدث شخصاً واحداً أم حديثاً متبادلاً بين شخصين. بينما لم يستطيع البشر عينات الإختبار تحديد ما إن كانت العبارة سؤالاً ام خبراً، أو تحديد ما إن كانت الجملة مرتبة ترتيباً صحيحاً أم خاطئاً، و أخيراً و ما نريد الوصول إليه، لم يستطيعوا تصنيف محتوى تلك العبارات ما إن كانت دينية او إباحية أو علمية أو غيرها، بمعنى أخر، لم يفهموا معنى ما سمعوه، كان مجرد صوت بدون معنى واضح بالنسبة لهم! .

تكمن أهمية نتيجة تلك التجربة، ليس في حسمها للصراع بين شركات ومحطات أغاني الروك وبين المعارضين لها أمثال غاري، ولكن في السؤال الذي أنتجته:
إذا كان البشر غير قادرين على إدراك معاني ومحتوى العبارات حين سماعها بشكل معكوس، فكيف استطاع الحضور في جميع ندوات غارى غرينوالد سماع تلك الرسائل الخفية المعكوسة في أغاني الروك التي أخبرهم بوجودها وفهم معناها والتصديق على وجودها؟ بينما هي مجرد صوت معكوس غير ذي معنى؟!

إجابة ذلك السؤال هي فيما دعاه علماء النفس ب the expectancy effect  أو أثر التوقع، و الذي هو نوع من التفاعل البشري مع المعطيات المحيطة، يتأثر فيه إدراك العقل البشرى لتلك المعطيات بما يتوقعه مسبقاً عنها، بشرط أن تمتلك تلك المعطيات مقداراً من الغموض والتشويش يجعل إدراكها بشكل واضح عملية صعبة، فيلجأ العقل لملىء الفراغ الذي تركه ذلك الغموض والتشويش بخلفيته المعرفية المسبقة، و التي تشكل توقعاته المسبقة عن الحياة عموماً وعن المعطيات خصوصاً جزءاً كبيراً منها، فيدرك تلك المعطيات طبقاً لتوقعاته هو وليس طبقاً لحقيقتها.
بمعنى آخر، حين يستمع الإنسان لصوتاً ما أو يرى مقطعاً مصوراً على درجة رديئة من الجودة، أو يمر بأي تجربة حياتية غامضة، فتفسيره لها و إدراكه لماهيتها يتأثر بشكل كبير بما يتوقعه عنها مسبقاً.
و بالتالي حين حاول حضور ندوات غاري تفسير العبارات التي سمعوها في تلك الأغانى المعكوسة، و لعجز عقولهم عن إدراك محتواها كما رأينا في تجربة جون فوكى و دون ريد، لجأت عقولهم لملء الفراغ المعرفي لديها بما تتوقعه مسبقاً عنها و تنتظر سماعه، و هو ما تلاه عليها غاري قبل تشغيل تلك الأغانى!

سمع الحضور ما طُلِبَ منهم أن يسمعوا!! و الأدهى من ذلك أن الحضور جميعاً لا يدركون أن عقولهم فعلت ذلك!
ربما يلجأ بعضنا لوصف الحضور بالسذاجة، و لكن تلك التفسيرات العاطفية لا تسمن ولا تغني من جوع.

العقل البشري ليس قاصراً او ساذجاً، بالعكس هو الماكينة الأقوى و الأحدث و الأسرع على كوكب الأرض.
و جزء من تطور العقل البشري، هو كونه ماكينة قادرة على التعرف على الأنماط فور رؤيتها طبقاً لمخزونه المعرفي، ألم ترى من قبل وجهاً في مقدمة سيارة أو كلمات في السحاب أو على قطعاً من الخضار! يفسر العقل ذلك التشويش في سحابة تمر من فوقه كوجه مريم العذراء، يرى تشويشاً فيبحث عن أقرب نمط مشابه. و هذه القدرة في العقل البشري هى التي تجعلنا قادرين بشكل سريع جداً على قراءة اللغة و تفسير كلماتها، فعقلك يعرف تلك الكلمات، و فور رؤيتها يفسرها بمعناها ويضعها في ترتيبها ويكون معنى متكامل. بل الأدهى من ذلك قدرتنا على قراءة خط اليد المكتوب بجودة سيئة بدون صعوبة شديدة، و لتسأل العاملين بمجال البرمجيات والماكينات عن مقدار البرمجة والعمل المطلوب من الحاسوب لقراءة خط سيء مكتوب مثلاً كعنوان على ظرف بريدي، كمية هائلة من البرمجة والبيانات يقوم بها العقل في أجزاء من الثانية نتيجة لكونه آلة تكتشف الأنماط بسهولة. من الأمثلة المشهورة لذلك ما فعله الباحث ستيفن بينكر حين استبدل الحروف المتحركة في بعض العبارات الإنجليزية بالحرف X   و استطاع البشر قراءتها بقليل من الجهد، حيث ملاْ العقل الأماكن الفارغة بالحروف الصحيحة بمجرد مشابهة الكملة التي أمامه بمخزونه المسبق عن أنماط كلمات تلك اللغة (نرى ذلك المثال كثيراً على مواقع التواصل الإجتماعى حين يكتب أحدهم جملة ببعض الحروف الخاطئة ومع ذك نقرأها بشكل صحيح).

و لكن نتيجة لذلك التطور العقلى لدى البشر فإن تلك العمليات الأوتوماتيكية التي تقوم بها عقولنا أحياناً تنتج بعض الأخطاء، و في عصر الإنفجار المعلوماتى الذي نعيشه و الذي تغوص فيه المعلومة الصحيحة و المعطى الواضح وسط بحور من الغموض و التشويش و اللغط فإن إحتمالية حدوث تلك الأخطاء تزداد. لأن حينها يبدأ العقل في إستحضار توقعاته المسبقة، و التي ربما تكون خاطئة و غير دقيقة، لينتج منها أنماطاً معينة يفسر على أساسها ما يراه و يسمعه.
و حينها، ينبغي التدخل البشرى اليدوي في تلك العملية لمنع ذلك الخطأ، بتحييد التوقعات والتحيزات المسبقة ووضعها خارج الحسابات قدر الإمكان، حتى لا تتدخل في عملية إدراك المعطيات المشوشة أو المعلومات الغير مكتملة، و ينبني استنتاجات و آراء على معطيات مفسرة بشكل خاطىء متحيز، يفسره كل فريق و كل طرف بل و كل فرد بناءاً على توقعه المسبق، فتنتج ألف حقيقة و ألف استنتاج لنفس المعطى! و يتزمت كل طرف و يؤكد بضراوة أن ما يراه هو الصحيح، مع أن إدراكنا جميعاً يتلوث بما نتوقعه مسبقاً. و لا يدرك أينا أن عقولنا قد قامت بأي نوع من التفسير لذلك المعطى ولا يشعر بحدوث تلك العملية، ولا ندرك أيضاً أن بجانب استنتاجنا الشخصي وإدراكنا لذلك المعطى، فهناك احتمالات أخرى كثيرة ربما تكون أكثر صحة، و هذا ما يقرره إحدى مبادىء علم النفس، ما أسماه الباحثون بالخطأ الأساسي في الإدراك the fundamental cognitive error.

ما مصدر تلك التوقعات المسبقة؟ حسناً، فإن مصدرها هو خلفيتك المعرفية، و التي ترثها من التعليم والإعلام والتربية المنزلية والمجتمع والثقافة والديانة، و كل مصدر للمعلومات يتوفر لديك طوال حياتك. و في بيئة من التعليم الردىء والإعلام الموجه والثقافة الضحلة، ما مقدار التلف والأخطاء في خلفيتنا المعرفية وتوقعاتنا المسبقة؟!

ما نفعله كبشر حين نظن أن ما نراه و ندركه هو الحقيقة بعينها وليس نسختنا من إدراك ما يحيط بنا، ووصفنا لمن يختلفون عنا فى إدراكهم للأمور بالكسل الفكري، أو بالجهل أو بعدم التفكير، و ظننا بأن جميع البشر العقلانيين المنطقيين سيتفقون معنا، هو ما وصفه باحثوا علم النفس بالواقعية الساذجة او naiive realism، و انطلقوا منه للبحث عن الأخطاء الشائعة في التفكير و الإدراك و التحيزات المختلفة.

لديك مسئولية تجاه إدراكك وتفكيرك، فإدراكك لما تراه وتسمعه، بل وأحياناً ذكرياتك أيضاً تتأثر بتوقعاتك المسبقة وتحيزاتك. وبالتالى فعليك امتلاك زمام عقلك وعدم السماح لتوقعاتك السابقة وتحيزاتك سواءاً كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية بتفسير الأمور وإدراكها بدلاً عنك، و ذلك بتحييدها و النظر للأمور بشكل واقعى منطقى غير متحيز .
و لن يحدث هذا بدون عقل يقظ، يعي مصدر الخطأ و يتجنب الوقوع فيه.
و لهذا فلنتَيَقَّظَ.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*