أخبار مشروع مجتمعنا

عصر النهضة

م. محمدصالح البدراني

استيقظت رجاء، لكنها لم تنهض بعد، وغابت عن محيطها بأحلام اليقظة تنافح وتبني وتمتلك زمام الأمور. رعد، وبرق، وأمطار، وزلازل، وطوفان، يندفع كل هذا إلى حيث مخرج رجاء من شباك غرفتها المكسور إلى المجهول عندها استفاقت. واختلف الناس في مصير رجاء؛ فمنهم من يتخيلها تندفع إلى هاوية سحيقة، ومنهم من يرى أنها تمسك بحديد سلم النجاة، ومنهم من لا يهتم لأمرها؛ لأنها لم تك من الذين يعرفهم، بل قد يتصور أنها سبب التسونامي والإعصار، وهي عين البلاء.

هذه الجمل جالت ببالي وأنا استمع إلى حديث أحد الأخوة العاملين، لا يشكو مهما ألمت به الملمات، وهو يقول: “عليّ أن أعود لأبدأ من الصفر، وبعض من يستمع إلى كلامي هذا يقول أنها أحلام”.

New-Beginningوالحقيقة أن أمتنا استيقظت من سباتها، بيد أنها لم تنهض من منامها، وقد استطاب لبعضها مجد السابقين تقليدا، ووصفهم التعجيزي الخارق، حتى ليصعب تصورهم قدوة تطال، وما كانوا إلا بشرا كلف بالحق، ففهم ثنايا عصره في كتاب الله، ثم قاد ذاك العصر وصنع الأمجاد. تل التي لم تك منهم لعلو في الأرض ولا لفساد أو هدف؛ بل هي الصورة النهائية لبناء شكل لوحة منظورة، أو تناغم بين ألحان نفوس تنوعت في درجات نقاءها؛ لتصل إلى هذا النغم الذي يحلو للأذن الآدمية ويشحن إرادتها إن قررت العمل.

نعود إلى الصفر؟ هل غادرناه لنعود إليه؟ أولم نزل طفلا عاريا لا يخجل من عريه ولا يحس بمصيره ولا يعرف عدوه من صديقه؟

ألم تر دولا حين رأت أسباب قوتها وعزتها، تآمرت عليها مُسلّمة ذاتها لنخاس، فهو يساوم اليوم أعداءها على شرفها، ألم تر حملة رايات الإسلام دعاة الجاهلية، ألم تر أنهار الدماء باسم الله تهرق، وباسم الإسلام نعادي المسلمين والناس أجمعين، منفرين معسرين، ألم ترى من جعل من العلمانية عصبية ومنهم من جعلها دين؟ وحله الأمثل إبادة المخالفين! وشعوب تستطيب خضوعا للمارقين، أليس ذاك هو الانحطاط المبين!

فما هو الصفر إذن يا عارفين؟

الخيال أو الانهيار هو ألا ننهض بعد صحوتنا من أحلام يقظتنا، وننكفئ للعجز بدلا من استيقاظ الإرادة للحراك من جديد، لا مفك للصاح من الانبهار بغير هذه الأمة، ويسعى لمصلحة أهله! وكل من سلك طريق الأمة الوسط وفهم الإسلام أنه دين (اقرأ)، أن يعلم أن اقرأ تعني الفكر، والمدنية وفق القرآن، والقرآن أمر الله، وروح منه، لا يمر عليها الزمن؛ بل هي متجددة، فيها مثاني مهمتنا، أن نفتح تلك الطيات لنرى كنوزها، ومتى ما تباهينا بأمجاد أناس أدوا عملهم وذهبوا لحسابهم، أو انبهرنا بدوافع من ضعفنا؛ فإننا سنتوقف ونتعفن وتذرونا الرياح.

ونحن نرى اليوم توقفنا، وما صنع من تقليدية لم تجعل الإسلام فاعلا، ولا يلتبسن أحد بين النوايا وواقع الحياة ففعلا لا يكفي للأمة نوايا حسنة من أبناءها، ونرى العفن والسوس الذي يقتل ويدمر بفورة ظلامية، ونرى الرياح الصفراء وهي تبدد جمعنا، وتحطم بنيانا وحياتنا.

إننا إذن الآن، والآن فقط، أهل للصحوة بعد يقظة لم ننهض بعدها. نحن أمام اختيار مسلك جديد ومنهج حديث من طية قرآنية هي لعصرنا، مؤمنون بأننا مكلفون، كما الصحابة في صدر الإسلام، وأن القرآن ينزل علينا، وأن رسول الله يحدثنا، وهو أمر ليس تاريخيا ولا موروثا، عن أجدادنا؛ بل هو كلام الله لنا، يفتح علينا – سبحانه – طياته.

فهذا الكتاب بأمر الله أعد لبناء مدنية الإسلام عبر العصور (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {42/52} صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ {الشورى/53})؛ هو ليس محض كلام عادي، إن كلمات القرآن كلام الله لك، وإن آمنت بالله أعطاك سبله، لاريب فيه هدى للمتقين.

فعلام يقال إن البداية الجديدة اليوم لنهضة الأمة حلم!

أكونها تغزى وتتفكك ويعلو فيها الفساد والجهل!

أليس هو مآل ما كنا فيه! أليس هو مآل المقلدين للغرب والشرق وعمق التاريخ!

 واليوم صحونا ليس بصفاء، وإنما بدخان المعارك، والدماء، والدمار، والبلاء، ونفوس تزهق بطمع المالكين. وأضحى التخلف، والتطرف، سلاح المستبدين، وحجتهم لتثبيت أركانهم، بل وسيلة المحتلين للقضاء على مصابيح النور من المخلصين.

إن أي وهن، يضيع أصوات أضلاع كسرها جلاوزة الظلم، فصرخت لنصحوا، ويضيع أناس صمدوا على إيمانهم، حيث هم بصوابهم قدوة، وبإخطائهم عبرة للعاملين.

إننا أمة يحيينا كلام الله، كما الأرض الميتة يحييها المطر بجوهره لا بمظهر شائه شطط يصنعه المبطلون.

ينبغي علينا أن نجدد الخطاب، ونقدر الألباب ونعقل، نخطط وندبر، ونحب العمل الجيد من أي كان، ونكره العمل الفاسد حتى لو كان من أنفسنا، أو المقربين إلينا. وندرك بوضوح أن الملائكة ليست من بني آدم، وليست هي نحن، فالكل خطاء.

ألا ندرك أن الفكر والحضارة هي سمة أمه وأن المدنية هي ملك للبشرية ونتاجها، وأن الكل ممكن أن يتعاون بها بلا حدود ولا أيدولوجيات. علينا أن نقيس الأمور الفكرية بثباتها والأمور المدنية كالصناعة للقرار والسياسة بنتائجها.

 ألم تر أن العواطف تمتلك الحالمين المستلقين الذين صموا أعينهم أما الواقع فله عيون ونور. إذن نوزع، ونتطوع، ونتصدى للمهام، ولا نقف متفرجين قضاة نحكم على العاملين.

الحق أقول لكم، إنه الوقت لصناعة المجد، وليس حلما أن نرى بوادر النهضة، وأنه الوقت لكتابة التاريخ، وليس تقليد تاريخا كتبه عجزنا لنعلق تخلفنا على أحداثه.

وإنه الوقت للنهضة وليس للإحباط والهروب، نعم لقد قتل جبروت الواقع الأوهام، والآن بدأ عصر النهضة للعاملين، وسيبقى العاجز يبرر عجزه. فالصبر الصبر على المهمة، والصبر الأكبر على المثبطين، والظلاميين، وإنما الإرادة من ميزت الآدمي عن غيره فمنها يصدر الفعل

الخاضع للحساب.

 ومن فقد إرادته مختارا، لا نجد عزما له، مستسلما لهدر التكريم، مقعده، شطط نفسه عن القرار السليم.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. “ينبغي علينا أن نجدد الخطاب، ونقدر الألباب ونعقل، نخطط وندبر، ونحب العمل الجيد من أي كان، ونكره العمل الفاسد حتى لو كان من أنفسنا، أو المقربين إلينا”

    أهل هذه القاعدة الثمينة من راعٍ و رعية ، هل نرى لهم عزمًا لتحقيقها و العيش في سبيلها ؟
    كيف السبيل الى غرس ارادة صحيحة خالية من الاوهام و الفهم الخاطىء ؟
    نحتاج الى تصحيح و تغيير جذري لمنظومة ” المعاني ” ..
    كل التحية و التقدير م . صالح

    بعيدا عن هذا الموضوع : ليت الادارة تسمح كالسابق بالبحث عن اسم الكاتب للوصول الى مقالاته ، فلا أكاد أجد كتاباتك في الموقع لقلة زيارتي له و أحيانا افكر انك لم تعد هنا ..

  2. محمدصالح البدراني

    يسعدني مروركم (نجاة) الحقيقة كنت غائبا فعلا ومع هذا فما اقترحته احيله الى القائمين على الصفحة ان شائ الرحمن

  3. محمدصالح البدراني

    ما يتعلق بهذا الراي والذي هو نصيحة تنطقها الحقيقة، فهي امر مدرك، لو اتبعناها وغيرها من معاني النهضة فهي ذاتها ستتجدد يوما ما فالحياة سنتها التغيير وليس الثبات
    الزمن بدأ فعلا للتنهضة لان الاحتكاك بالواقع يفسر الامور فكل الافكار تطرح وكأنها جمال الكون والانسانية تجسدا الا ان ما يكشف مصداقيتها الفعل فالقول قد يكون قائله صادقا ذلك ان الجاهلي لا يرى نفسه جاهليا او متخلفا رجعيا بالكلام الحديث… ونحن راينا سلوك الحداثيين او زاعموها نسبة لاقوالهم، اغلبهم كان الحل الاقرب اليه القتل والتحريض عليه اما الاخرون فساكتون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*