أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / كتب ومؤلفات / التربية بالقهر (مسلمون ولكن)

التربية بالقهر (مسلمون ولكن)

كمال سليم

قلنا من قبل أن الله خلق الكون قائمًا على التناسق بين الأضداد والانسجام بين المتناقضات ؛ فالإنسان المؤلف من روح وجسد في كله وتكامله لا هو بالروح ولا هو بالجسد ، فالانفصال بين العناصر المتناسقة يعني الموت وإن ظلت الأجزاء المنفصلة سليمة في غير تمزق، ولقد راعى الشرع هذه المسألة ونبه على ضرورة أخذ مسألة الحياة الجوانية للفرد بالجدية اللازمة ، فهي مناط التكليف الحقيقي ، وعنى الإسلام – اتساقًا مع نظرته للإنسان بصفته كل متكامل فيه نفخة علوية من روح الله قابلة للتسامي والترقي وقبضة طينية من أديم الأرض تشده لمطلبات الحياة ولوازمها  وتلح عليه بشهواتها وزينتها – عناية خاصة بتربية الطفل وتنشئته وقفًا للمنظور الإسلامي للإنسان ومراد الخالق منه في استنطاق فطرته طواعية لتحمل التكاليف ، لهذا يسبقها فترة طويلة من الإعداد والتنشئة لربط تلك الفطرة بخالقها ، فيصبح للكدح الإنساني معنى وتصبح لمشقة التكاليف لذة ويكون للكبد مقصد وغاية.

وللتواؤم مع ما أقره الله للإنسان من تركيب ، عُني الإسلام بالفطرة عناية خاصة ، ولهذا جعل للفطرة وتنشئتها تنشئة سوية أولوية خاصة في فترة الطفولة ، وأوكل للعناية بها أهمية بالغة ، وخصص لها من الوسائل ، وهيأ لها من البيئات كل ما يعين على إتمام هذه المهمة بنجاح. يتضح هذا ابتدأ في كون الطفل لا يكلف شرعًا إلا بعد بلوغ الحُلُم ، وهي فترة طويلة تمثل خمس عمر الإنسان تقريبًا إذا ما اعتبرنا أن متوسط عمر الإنسان بين الستين والسبعن ومتوسط بلوغه بين الثانية عشر والخامسة عشر مما يعطي دلالة أن عملية التربية فن يحتاج لعدم الطرق على الإنسان وهو لا يزال لينًا بل يحتاج لينًا وعدم صرامة في إلزام الطفل بالتكاليف حتى يقوى عوده ويهيأ على مكث لتحمل الكدح في الحياة وصولاً إلى الله.

ونجد أن السيرة مليئة بمثل تلك اللمحات التربوية في استنطاق الفطرة خاصة في مراحل الطفولة الأولى ، فكثيرة هي الأحاديث التي تسرد واقعة جلوس الحسن والحسين أحفاد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ظهره وهو ساجد وإطالته للسجود لما يشعر بهما فوق ظهره ، ولما كبرا وبدأ كلاهما الذهاب للمسجد ، كان ينزل النبي من على المنبر ليستقبلهما. وقوله ثلاثًا للشاب الذي لم يكن يحسن الصلاة “أذهب فصل فإنك لم تصل” ، وعدم تصريحه له بالإجابة إلا حينما قال له “والله لا أحسن أفضل من ذلك” ، فبقدر ما في هذه المواقف من رحمة ، فإنها تشير للمحات تربوية مهمة ، ألا وهي أن دور المُربي خاصة في فترة التنشئة الأولى هي استنطاق الفطرة لمعرفة الصواب والخطأ لا المعرفة النظرية للصواب والخطأ بطريقة منبتة الصلة عن الشعور الجواني بهما ، فاستنهاض الفطرة أهم من المعرفة الجافة للصواب والخطأ. وفي الأمثلة السابقة يتجلى بوضوح تطبيقًا عمليًا لما راعاه الإسلام في التنشة والتربية عامة والصغار خاصة من كون الأصل في العملية التربوية الاعتناء بالفطرة ودور المُربي الرئيس هو استنطاق هذه الفطرة وربطها بخالقها والتفنن في نمو الحياة الجوانية لمن يربيه.

ولكننا في واقعنا الإسلامي المُعاصر ابتلينا لما اسميته التربية بالقهر. فكثير من الفلسفات الوضعية والتي نصفها بالإلحاد كالماركسية لم تُعًرف الإنسان بوصفه كائنًا ربانيًا مركبًا ، وبه يكون الإنسان عبارة عن كيان مصمت لا ربانية فيه ، كائن بلا أسرار ولا تركيب ، إنسان “واحدي” البعد ، لا قداسة له ولا أولوية. وكما يقول د. عبد الوهاب المسيري أن الإنسان قد يرفض نموذجًا ما بشكل واعٍ ولكنه يستبطنه ويعيد صياغته بشكل لا واعٍ. وفي مجتمعاتنا المسلمة رفضنا النماذج المادية التي لم تقر بربانية الإنسان بشكل واعٍ ولكننا أخذنا طرائق التربية والتعليم بما يؤسس للمفاهيم التي أقررنا برفضها. فهي نماذج تربوية لم تنبع ابتدأ من المرتكزات الإسلامية ولم تنشأ لتلبي احتياجات “الإنسان الرباني” في مقابل “الإنسان المادي” الذي نادت به كثير من الفلسفات الوضعية كالماركسية وغيرها. يتجلى هذا أول ما يتجلى في بيئة الطفل المحيطة به منذ النشاة ، نجد أن الكثير من الآباء والأمهات يوبخون الطفل أو يعنفونه أو ينتزعون ما في يد بقوة إذا ما أمسك كوبًا أو أي شيء آخر ، والطفل بهذا الصنيع يحاول أن يفهم الواقع الذي حوله مستجيبًا لنداءات الفطرة داخله ، ولا يقصد بهذا الصنيع أن يؤذي نفسه أو أن يثير غيظ أهله ، فهو يستكشف الحياة من حوله. وتأتي أولى تجليات طمس صوت الفطرة لا استنطاقها بجذب الأشياء من يده ابتداء بحدة وصولاً إلى تعنيفه وضربه في بعض الأحيان ، وتكون هذه هي أولى خطوات تربية القهر في مجتمعاتنا المسلمة.

ثم يبدأ الطفل في الذهاب إلى المدرسة ، يجد أنه عليه أن يستمع لحصة اللغة العربية ، ثم يطوع كل ما في نفسه ليتسمع إلى حصة اللغة الإنجليزية مع ضرب جرس الحصة ، ثم حصة الرياضة..إلخ ليحل الجرس مكان الفطرة في شخذ همته تجاه النظام المدرسي ويكلف بصرامة لم يكلفه الله بها في هذا السن الصغير بحجة أن من شب على شيء شاب عليه ، ويحل مفهوم التنشئة التي تستنطق الفطرة لمفهوم التدريب الذي يروضها ويحجمها. وإذا ما جال الطفل بخلده في اللعب الذي هو وظيفته الأساسية في هذا السن ، وأراد المدرس إحراجه يوبخه قائلاً “قوم يا ولد قوللي كنا بنقول إيه” ، ومع مرور الوقت وتعدد التفانين في مبدأ تربية القهر-  دون وعي في معظم الأحيان – من عينة “اقعد زيك زي الديسك اللي أنت قاعد عليه” إلى وضع أهداف للطفل خارجه دومًا عما يشعر به ويحسه في خلجات نفسه ولا يزال صغيرًا للتعبير عنه ، يفهم الولد ضمنًا مع طول السياق التربوي القائم على القهر بعدما أُضفي عليه صبغة إسلامية من عينة كونه يطلب العلم الاستشاد بالآيات والأحاديث مثل “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم…” “وطلب العلم فريضة…” وهلم جر من كلايشيهات أن ما يشعر به في أعماق نفسه غير قابل للعيش ، فهو دائمًا ما يتم توبيخه إذا استجاب لنداءات الفطرة الأولية بداية من مسك الكوب والمحاولة سحب أشياء من على المنضدة وهو صغير مرورًا بكونه “لعبي ومش مركز” لأنه يفكر في اللعب أو ما شابه من احتياجات نابعة من داخله.

ويكون الناتج من  جراء هذه التربية أجيالاً تخشى التساؤل ، وترهب السماع لنداء الفطرة ، أجيال لا تعي مقاصد التكاليف لأنها لم تتعرف على الله معرفة صحيحة في فترة التربية الأولى ، لم تشعر بخلقه وقدرته في جمال الخلق وسط جدران المدارس ، لم تستشعر كونه الرزاق في إدرار الدواب اللبن بغزارة ، فكل معرفتهم عن الأبقار والجاموس والدواب الأخرى من خلال الصور في كتب المدرسة. ومثل هذا الإنسان لا يمكنه إقامة علاقة سوية مع الله ، فهو يهاب ابتدأ أن يعمل جهاز استقباله لاستقبال الموجات ، فكيف لموجات الإرسال أن تستحيل صوتًا لجهاز استقبال مغلق أو خرب!

وفي ظلال هذا التدريب المستمر على الصمم لما يعتمل داخل النفس وتعلم العلوم دون غاية واضحة ، والدخول في منافسة مع أقرانه في المذاكرة واجتياز الامتحانات والأنشطة المدرسية دون مقصد جلي ، يكون الناتج إنسان غير متسق مع ذاته ، فالإتساق يقتضي نوعًا من الانسجام بين الحياة الجوانية والحياة الواقعية التي يحياها الفرد. يقول علي عزت بيجوفيتش في هذا السياق موضحًا الفرق بين التدريب والتنشئة:

تُحدث التنشئة تأثيرًا لطيفًا على نفس الإنسان لا يمكن قياسه ، فالتنشئة فاعلية مباشرة تدخل إلى القلب عن طريق الحب والقدوة والتسامح والعقاب ، بقصد إحداث نشاط جواني في نفس الإنسان. أما التدريب باعتباره حيوانيًا في جوهره فهو نظام من الإجراءات والأعمال تُتخذ لفرض سلوك معين على الكائن البشري ، يزعمون أنه السلوك الصحيح.

التنشئة تنتمي إلى الإنسان أما التدريب فإنه مصمم من أجل الحيوانات ، بواسطة التعليم يمكن أن تشكل مواطنين أذلاء يطيعون ليس بوازع من الاحترام بل بدافع من الخوف أو العادة ، وقد يكون ضميرهم ميتًا ومشاعرهم ذابلة ، ولكنهم لا يخرقون القانون لمجرد أنهم تدربوا على ذلك…المساحة الجوانية للإنسان شاسعة ، تكاد تكون لا نهائية ، فهو قادر على أبشع الجرائم وعلى أنبل التضحيات. وليست عظمة الإنسان في أعماله الخيرة وإنما في قدرته على الاختيار.

فتربية القهر ليست هي التربية الإنسانية التي عُني الإسلام بها ، ولن يكون الحل في أسلمة تلك المنظومة التربوية بإضافة حصص لحفظ القرآن في المدارس أو تعليم الأولاد الصلاة ومنع اختلاطهم بداية من المرحلة الإعدادية ، فهذه الرتوش لن تزين القبح الكامن وراء تربية القهر هذه ، ولن تخفي المرتكزات الوضعية التي لم تعرف الإنسان بكونه كائنًا ربانيًا بل عرفته على أنه مجرد كيان مادي بلا قداسة أو خصوصية ، ويكمن الجهد الجاد في العمل على انبثاق منظومة تربوية مرتزكة على النظرة الإسلامية واضعة في الاعتبار ربانية الإنسان وأهمية استنطاق فطرته ، وعلى المُربي في هذه المنظومة الإيمان بالصبر والأناة في النمو التدريجي البطيء للفطرة الإنسانية ووصل العلوم بمقاصدها في معرفة الخالق، ويحاول دومًا وضع الطفل في بيئات ثرية تساعده على الشعور بخالقه كأن يرى الصحاري والأنهار والجبال…إلخ  فتتولد الأسئلة داخل الطفل تلقائيًا ورويدًا رويدًا يتصل بخالقه اتصالاً يجعل للحياة معنى ، ويُجَلي مفهوم العبودية داخله ، ويكون في للكدح والكبد لذة في ظل هذه المنظومة التربوية.

والله أعلم

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. بداية تحية طيبة للكاتب ولأسلوبه الرصين وأنا معه في كل ما قال ولكن لو كان لي من إضافة فإنني أشدد على تكامل العملية التربوية بين المؤسسات اتلعليمية والبيت والمسجد وغيرها

    ثانيا الإشكالية إذن في الأساليب وليس في المناهج تقريبا

    ثالثا هو إرادة التربية بمعنى إذا كانت هناك إرادة لتربية جيل أو أجيال على بصيرة وإدراك وهدف من قبل منظومة الدولة (إذا كان ما هنالك دولة بالمفهوم المحترم في عالمنا العربي) ، ونحن نرى أن هناك جماعات على قلة إمكاناتها قياسا بالدولة نجحت في عملية التربية بشكل كبير لأنها وضعت من الوسائل التربوية المختلفة ما يعدد مصادر التعلم وينوعها والأهم وجود الرغبة الذاتية في التعلم دون فرض

    إذا نجح المجتمع في تبني نموذج تربوي واع يضعه مختصون في مجالات التربية والتعليم المتنوعة دون النظر للاعتبارات السياسية التي هي الساس في تدمير العملية التربوية برمتها فإننا قد نكون قد بدأنا سلم النهضة

    جزى الله الكاتب كل خير على هذه المقالة الرائعة وبانتظار المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*