أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / أصنام المُجًرَدَات (مسلمون ولكن)

أصنام المُجًرَدَات (مسلمون ولكن)

كمال سليم

هناك من القضايا والمفاهيم ما هي باقية ببقاء الحياة تقتات عليها حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ومن تلكم القضايا والمفاهيم التصور الذي يُجليه أي دين عن الله والكون والإنسان ، وبرغم من كونها بداهات إلا أن الغبش دومًا ما يصيب هذه المفاهيم ، فينحرف تصور الإنسان وبالتالي تخرج أفعاله عن السياق الذي ارتضاه الله – والحديث هنا عن الدين الإسلامي ، وتكون مآلات الخلل في تصور هذه البداهات انحرافات عن صراط الله المستقيم.

ومن المعلوم أن التصورات الناشئة عن الله والكون والإنسان ومن ثم مفهوم العبودية في الإسلام لأنه رمانة الميزان للمفاهيم الثلاثة ليست ساكنة أي أنها علاقة حية تتجدد بمدى يقظة الإنسان وكدحه المتصل لاستمرار حركة مياة التوحيد الصافي في قلبه وضميره ، أما الغفلة أن الكبد الدؤوب لضمان سريان هذه المعاني وحيويتها ، بتوهم أن فهم هذه المعاني أشبه بإجابات نموذجية يحفظها الإنسان دون معايشة جادة ، ويقظة حذر من أن يصيب الفهم الخلط والقلب الاعوجاج يؤول إلى الركود ثم يستحيل التوحيد الحي الجاري إلى معنى آسن غير صالح لري المعاني المنبثقة من التوحيد كالتوكل والصبر والرضا…إلخ المزروعة في القلب.

ومن الشائع في واقع المجتمع الإسلامي المُعَاصِر توهم أن بداهات الإيمان من مفاهيم الألوهية والعبودية باتت واضحة جلية محفوظة عن ظهر قلب ، ويساء الفهم حين يظن أنه بقضاء بعض الشعائر كالصلاة والزكاة والحج والصيام أضحى الإسلام في جيب كل مسلم ، فلا داعي للكدح ولا ضرورة للكَبَد ، وكأن أصل الحياة في كونها دار ابتلاء ، وأن الحق يحتاج لتفاعل الذات المسلمة لإدراكه والعمل بمقتضاه ثم الصبر على تحمل تبعات التكاليف ومشاقها بات سهلاً يسيرًا فكل شيء معلوم وكل سؤال محفوظ. وبتغافل الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي عن كون الحياة جُبِلت على الصراع بين الحق والباطل ، والتدافع بين متغيرات كثيرة يخيل في الوجدان أن الدنيا استحالت “فردوسًا أرضيًا” ، وأن المسلم بأدائه الفرائض وشهادته شهادة التوحيد قد دخل في عداد شعب الله المُختار.

وآثار مثل هذا التغافل يتجلى فيما أسميته “أصنام المُجًرَدَات” ، فمن المفاهيم الرئيسة التي لن تنقضي إلا بانقضاء الحياة مفهوم التوحيد في صورته الحية مقابل التوحيد الآسن الذي قد يدخل عليه رواسب تناقضه في كثير من الأحيان ، فالأول علاقة حية واعية يقظة من عبد قرر ألا يُعًرف نفسه إلا أنه عبد الله ، ويكابد للاتساق مع مقتضيات هذه العلاقة ، أما التوحيد الآسن فهو أشبه بمن أقر عقدًا دون أن يعي شروطه فعمل بما يناقضه دون وعي أو قصد ولكنه مُحَاسَب بما أقره في العقد علم أم جهل.

وإذا تأملنا مفهوم الصنم كتجلي صريح من تجليات التوحيد الآسن ، نجد أنه كما قيل كثيرًا أن العرب لم ينكروا وجود الله ، ولكنهم وضعوا الأصنام بسبب ركود هذا المعتقد وإصابته بالعفونة حتى تجلى في مثل هذا الشكل ؛ الإله موجود ولكن يجب أن يكون له في الأرض من يُقًرب الإنسان إليه ، ودعت الحاجة الاقتصادية والقبلية في هذا الزمان وجود الأصنام على النحو الذي نعرفه ، بهيئتها الحجرية المنصوبة حول الكعبة ، فالسياق الحضاري والاجتماعي استدعى تعيين مفهوم الصنم ليضحى حجرًا منصوبًا حول الكعبة ، وعلى إثره ينشأ الواقع ؛ فتحتل قبيلة قريش الريادة بين القبائل لكونها خادمة الأصنام ، وتتخذ مكانة تجارية فريدة عن غيرها مما يؤول إلى تفوقها التجاري وتَزَعٌمِها لسائر القبائل.

ومن الأوهام الشائعة أن مفهوم الصنم كتجلي للتوحيد الآسن قد تحطم بتحطم الأصنام ، وأن مسلم القرن العشرين قد أُسقِط عنه الكدح بالتقادم ، فجيل الصحابة قد كابد من أجلنا – مثلما ذُبح المسيح لأجل خطايا البشر في العقيدة المسيحية الحالية. وبقي على المُسلم الاحتفال بكونه مُسلمًا وحمد الله على هذه المنة والفضل بممارسة بعض طقوس التعبد كالصلاة والصيام بعدما زال عناء الكدح ، وذهبت الضرورة إلى الكَبَد. ولكن الصحيح أن الصنم كمفهوم لم يُهدَم بهدم الأصنام في مكة ، قد يكون قد هُدِم تعيينه في هذه الصورة ، ولكن يبقى المفهوم قابلاً لتلبس أشكالاً جديدة تناسب السياقات الحضارية والاجتماعية التي نحياها الآن.

ومن الأمثلة البارزة للأصنام الحالية تضييق المعاني المُجًردَة في صور بعينها لتصبح غاية تُبتَغى للوصول إلى المعاني المنوطة. فمثلاً ربط السعادة بالشيكولاتة في إعلانات كادبوري ، والفرحة بكوكاكولا في كثير من حملات إعلاناتها ، والراحة والرفاهية في الكمباوند – كحملة إعلانات عامر جروب عن بورتو أكتوبر التي مثلها عمرو دياب ، ناهيك عن ربط العلم بالمدارس الانترناشيونال والجامعات الخاصة باهظة التكاليف ، والأمان والتفرد والرفاهية بماركة سيارة بعينها يقلب في العقل اللاواعي الوسائل إلى غايات ، والقاسم المُشترك في كل هذه الأشياء هو المال كوسيلة للحصول على المنتجات المُعلَن عنها.

وفي غياب اليقظة والجدية، يُهيأ للإنسان أن العمل من أجل اكتساب المال دون غاية واضحة أو كغاية في ذاته لا يتعارض مع دينه بل بالعكس فالدين يحض على طلب الرزق ، ولا مانع في مثل هذه الحالة إضفاء البعد الشرعي للقضية وأسلمتها مثل الاستشهاد بأحاديث نبوية مثل “اليد العُليا خير من اليد السُفلى” ، “والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” ، وتُنتزع قصص الصحابة كسيدنا عبد الرحمن بن عوف من سياقاتها للتدليل على حض الإسلام على النجاح والإتيان بالمال ، وكون سيدنا عثمان لم يلبس الخشن من الثياب و هلم جر. والكارثة هنا أن مثل هذا الفعل يشبه فعل العرب قبل الإسلام ، فهم في غياب التوحيد الحي ، توهموا أن إقامة الأصنام على هذا النحو يقربهم لله كما هو حال جعل المال غاية في واقعنا الحالي ، تكمن الخطورة في أن هذه العملية تتم بشكل لا واعي ، فهي ليست قرار يتخذه المرء بصورة واعية مدركة في كثير  من الأحيان ، فالوجدان بعدما تم تعبئته في غفلة من صاحبه بصور المساكن الفارهة وشاليهات الساحل الشمالي والتعليم الخاص الانترناشيونال والهايبر ماركتس وتم ربطهم بمفاهيم الراحة والأمان والعلم..إلخ بات المال هو الخيط الذي يتشبك فيه خرز الأحلام ، وبهذا تنقلب الوسائل غايات خارجة عن نطاق العبودية الحقة والتوحيد الحي. وللدكتور عبد الوهاب المسيري الكثير من الكلام والتنويهات على قدرة المرئيات صياغة الأحلام والطموحات دون وعي الإنسان ، ثم بعدما يُعَاد تشكله الوجداني يظن أن ما يرغب فيه ينبع من داخله واحتياجاته ، ولكنه في واقع الأمر أسير مئات من الإعلانات التي نحتت آماله وفَصًلَت رغباته.

وفي النهاية على الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي أن يعي جيدًا أن البداهات التي جاء الإسلام لإزاحة الغبش عنها ومنع الخلط فيها – كمفاهيم الله والكون والإنسان ليست ساكنة بل تستلزم علاقة حية نابضة بين الإنسان والله ، وأن معاني الكدح والكبد والصراع والتدافع والابتلاء والجزاء ماضية لا تسقط بالتقادم إلا أن يرث الله الأرض ومن عليها ، والصنم جاء على شكل أحجار منحوتة حول الكعبة لأن المُلابَسَات الحضارية والاجتماعية اقتضت هذه الصورة ، و تحطيم الأصنام بعد فتح مكة لم يحطم المعنى وإنما صورته فحسب ، لذا فالمعنى يمكن أن يعين في الواقع بحسب السياقات الحضارية والاجتماعية الحالية ، ومن أمثلة الأصنام الجديدة الأُطُر الصلبة للمعاني المُجَردَة التي تنشأها المرئيات وتُبَث في الإعلانات – كربط السعادة بكادبوري والفرحة بكوكاكولا والرفاهية ببورتو أكتوبر…إلخ. وهذه الأصنام أكثر خفاء من نظيرتها في مكة إلا أن يقظة المسلم ووعيه تصنع معاول الهدم المناسبة لها في مثل هذا الوضع ومثل تلك المُلابَسَات الحضارية والاجتماعية الحالية.

والله أعلم

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*