أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / في جدلية الفكر والدولة

في جدلية الفكر والدولة

محمد صالح البدراني

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [ سورة الذاريات: 56-58]

لو كانت العبادة كما يتوارد للأذهان من حركات وسكنات، فإن الله – جل وعلا – لم يضف شيئا في خلق الإنسان إلا كائنا آخر يعبد؛ فالملائكة عابدة مسبحة ساجدة. فما رابط الرزق بالعبادة؟

 (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [سورة البقرة: 30]

ونرى في زماننا كما في أزمنة سبقت، أن الإنسان يفسد في الأرض، وهذا اليوم الذي نحن ممن يعيشه، لا ندري كم طوله! أهو سنين مضت وقلة بقت، أم هو الكثير ما بقي وذهب القليل؟ وفعل الزمن يؤدى بعمر التاريخ حدث.

كثير من الناس ممن تغلب عليهم العواطف وتغيب عنهم أصول السياسة يتوهمون أن الفكر والدولة ينطلقان من نقطة واحدة، بل إنهم يقيمون الدولة وأحكامها، ولا دولة في الوجود، وهذا شأن الأيدولوجيا مهما كان مرجعها إسلاميا أو غير إسلامي، وليس من دليل على صحة هذا المنهج أو أن الأحكام هي الأصل وما الإنسان إلا منفذا لما يؤمر.

انظروا الآن إلى الآيات أعلاه، ستكون النتيجة أن ما يراد بالعبادة، هو تفعيل للميزة التي يعلمها الله ولا تعلمها الملائكة؛ فالملائكة تكلمت بما رأت وعلمت، لم تتكلم بعلم غيبي؛ فهي لا تعلم الغيب. وما رأته هو كائن مفسد، لكن الله جعل آدم مميزا مكرما بمنظومة العقل، والعقل فعل، يعني الفم والإدراك وتمام التصور والإحاطة، وليس العقل اسما كما هو دارج اليوم.

كما أن القلب هو في مقدمة الإنسان (صدره) والذي هو الجبهة (ناصية كاذبة خاطئة) حين تتخذ القرار التابع للهوى أو التي نسميها اليوم بالغرائز والحاجات.

فلا يمكن إقامة الإسلام بوضعه قالبا، كما لا يمكن أن يقام غيره أيضا كأيدلوجيا أو فكر بحت؛ بل لابد من مرحلة تطول أو تقصر لكي تتحول انطباعات الناس وعواطفها وفاعلية غرائزها ضمن برنامج إصلاحي، وتعيير (إصلاح لبعض المدخلات المدنية عند تطبيقها في الدولة وتغيير الوضع القائم على فساد).

الدولة تعني مدنية، والمدنية تراكم الجهد البشري وهو متطور قابل للتحوير والتنظير.

الفكر يعني حضارة، وهو في الإسلام متوسع بالمثاني (الطيات) القرآنية والسنة النبوية الظاهرة بسيرته – صلى الله عليه وسلم –، لا يمكن أن يكون حل مشاكل أمتنا آتيا من الماوردي أو الجويني أو غيرهم؛ فهؤلاء نظروا لعصرهم بما اجتهدوا وأحدثوا، فمنهم من مجد السلطان ومازالت آثاره هنا، ومنهم من ابتدع حكم المتغلب وحكم الشوكة – رغم أن الإسلام يدعو لانتخاب الحاكم وعزله إن لم يف بالعقد الذي بينه وبين الناس – ومازال حكامنا ينتهكون إنسانيتنا بمدلولاته.

ولو أنهم سكتوا لكان خيرا، لكننا لا ننصف أنا حكمنا عليهم من واقعنا نحن لا واقعهم.

الناس اليوم لها مشاعر وانطباعات تجاه كل شيء، ليس لها فهم أو فقه للواقع ولا فقه الشريعة، غريزة التدين في طلب حكم الإسلام تناديها كما تناديها غريزة التملك وحب السيادة، وإذا أحست أنها ومصالحها في خطر فإنها ستدعو الله للخلاص من مما كانت تنادي به، ورأينا كيف انتخب الناس وكيف انعكس فعلهم إلى سلبية أو لا مبالاة!

الديمقراطية لا تعارض الشورى، بل الشورى مفهوم واسع والديمقراطية مصطلح، وهنالك من يقحم الليبرالية وغيرها على الديمقراطية فتشكل انطباعا إشكاليا عند آخرين، وهذا كله من عصبيات سواء هنا أو هناك.

وما تختاره الناس يعني البداية وليس الكلية، وعندما تفهم الناس من الدعاة الأحرار ستتجه حتما لما فهمت من معاني رضا الله وطاعته، عندها ستطالب هي بإدخال ما يعينها على تحقيق عبوديتها لرب العباد وستطالب بقوانين وصياغة المظهر الثقافي.

من هذا كله نرى التالي:

  1. أن الأفكار مهما كانت نبيلة لا ينبغي أن تنزل كقالب على الشعوب؛ بل لابد من تهيئة الشعوب والأفكار نفسها بما تكون به حلا وليس معضلة.
  2. أن الإنسان هو أساس التكريم، وأن الأفكار جاءت لتحسين مساره نحو الجنة وتمكينه من خلافة الأرض وعمارتها بما يليق بتكريمه.
  3. أن إنشاء النموذج تدريجيا هو الطريق الصائبة نحو عالم الأفكار وإدارته لعالم الأشياء
  4. أن السياسة والاقتصاد هي أمور مدنية وجهد بشري لإدارة الحياة والمصالح، وإنما يصوب نحو تحقيق المصداقية من خلال الفكر والعقيدة.
  5. أن الديمقراطية بمعناها كآلية انتخابات – وليس لها من معنا آخر -، هي وسيلة ملائمة لحين تطويرها كأي آلية مدنية لضمان مشاركة الجميع باستخدام التقنيات الحديثة.
  6. من يفرض الفكرة أو الأيدلوجيا إنه سيشكل سلطة تكون هدفا، وللسلطة أدواتها، والشعب محكوم لحاكم، أما من يريد الدولة، فالسلطة تفويض ووسيلة وممكن تفصيلها في الشكل التالي:

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*