أخبار مشروع مجتمعنا

مقاول أنقاض

كمال سليم

لدى المفكر الإيراني د. علي شريعتي (1933-1977) فكرتين محوريتين: تتمثل الأولى في ضرورة فقه اللحظة التاريخية المُعَاصِرة قياسًا على السياق التاريخي للأمة ؛ وبهذا يعني أن الإنسان في حياته القصيرة لابد له من رؤية واقعه قياسًا على مسطرة تاريخ أمته ليعلم تقديريًا لأي مرحلة تاريخية قُدر له أن يحيا. وتأتي الحاجة لذلك في كون من يجهل هذه الحقيقة ، يسهل تطويعه أو “استحماره” بتعبير شريعتي ، فمن يجهل تاريخه يجهل واقعه ، ومن يجهل واقعه تأتي أفعاله متخلة التوازن وإن بدت منطقية رصينة بمقاييس اللحظة ولكنها “تزيد من الطين بلة” على مستوى مصيره ومصير أمته.

والفكرة الثانية التي طرحها شريعتي هي “الدين الاستحماري” وهذا الدين في نظره ينبثق من الخلل في الأولويات المطروحة وهو نتيجة لغياب الفكرة الأولى أي وعي الفرد لسياقه التاريخي وفهمه للحظة التاريخية التي تحياها أمته. فبغياب الأولى تصبح مقاصد الدين وأولويات العمل في المرحلة غير واضحة وبالتالي ينصب الحديث عن الدين على مستوى الجزئيات والتي تعمل على إلهاء الناس أكثر وأكثر عن الوعي التاريخي الذي يحيونه. فدين الاستحمار هو أفيون الشعوب حقيقة لأنه يبعد الناس عن الحقائق التي عليهم أن يعملوا عليها ظنًا منهم أنهم يقيمون ما أمر الله به وأنهم لازالوا متمسكين بالدين معتصمين بحبله المتين.

والمعروف أن الأمة المسلمة تحيا الآن تحت الأنقاض الحضاري وجيلها الحالي هو الجيل المولود من رحم هذا الانهيار ؛ ففي آخر مائتي عام وبعد الانهيار الحضاري لآخر خلافة إسلامية متمثلة في الدولة العثمانية – وهنا لا يعنينا كونها الخلافة المثلى أم لا وليس الهدف في هذا السياق وضعها في الميزان لبيان محاسنها ومثالبها – عاشت أمة الإسلام في حالة أشبه بمن هدم زلزالاً مدويًا بنايته ، هرع الكل محاولاً الهرب ، لم ينجح الكل في الهروب ، مات الكثير تحت أنقاض هذا الانهيار المروع وفر من فر وبقي تحت الركام من بقي. وكمحاولة للاتزان تم اجتلاب أنظمة معدة سلفًا في كل علم وفن من الغرب خصيصًا – كمن بنى بعض مدن الصفيح ليستجلب من نجا من الانهيار بدافع أن هذا الأمر أضحى واقعًا وليس في الإمكان أبدع مما كان. فتم وضع حدود الدول ، وتم الاتفاق على نظم التعليم ، وقوبلت مساعي الإصلاح (كحالة مدن الصفيح) بالحفاوة وقامت تجارات وصناعات  ونشأت طبقة مقاولي الأنقاض.

ومن سمات تلك الطبقة تجلي فكرتي شريعتي فيهما أشد ما يكون التجلي ؛ فمنهم من نسوا أو تناسوا حقيقة أن ما تم استجلابه من أنظمة ومفاهيم ليست سوى مدن من الصفيح ، ومنهم ممن ولدوا بعد الانهيار لا يعلم أصلاً في كون المدن الصفيح الذي يحيا فيها ليست الأصل ولكنها عقبت حالة التصدع الكامل لأمته – وإن ظهرت في شكل أفخر المنتجعات وبنيت على أحدث الطرق وفي أرقى الأماكن ، لأنها لا تنبع من السياق الحضاري والتاريخي للأمة ، لم تعبأ تلك الطبقة بطرح مثل هذا السؤال – الغافل منهم والجاهل بالأمر- على ذهنها ، فلقد استقرت الأمور والله الحمد والمنة وبما أنهم قد شقوا طرقهم في الواقع الجديد وعلموا قواعد اللعبة جيدًا فحجزوا أفخر الأمكان في مدن الصفيح الجديدة وضمنوا لأنفسهم فيها عيشة أكثر رقيًا من الآخرين بل وقد أعملوا عقولهم في كيفية الاستفادة من ركام الأنقاض القديمة في أفضل صورة مما يكفل لهم المزيد من رغد العيش.

وبتغافلهم عن فقه الواقع الحالي في ضوء السياق التاريخي للأمة ، عقب ذلك ما أسماه شريعتي بدين الاستحمار. فالإنسان مُحَال له العيش دون دين ولكنه لا يقوى على الأمانة الشاقة التي هو منوط بها شرعًا ودينًا ألا وهي الاجتهاد الحقيقي لفعل واجب الوقت وعدم التغافل عن الانهيار الحضاري التي تعاني الأمة ويلاته لمجرد أنه يحيا حياة كريمة داخل مدن الصفيح ، فإذا ما تعذر دين الله الحق ، فكان البديل هو دين الاستحمار ومن آثاره التعامل مع تفاصيل حياة الصفيح فيما لا يخالف شرع الله ، والسؤال دومًا عن رأى الشرع في مسائل جزئية كطرائق البناء وارتفاعه ، كعدد قاطني المساحات في الوحدات المُعَدة ، ومواعيد الاستلام…إلخ.

ومن أمثلة مقاولي الأنقاض في واعنا المُعَاصِر ذلك التاجر العصامي ، من بدأ حياته لا يملك شيئًا يذكر ، هذا الرجل المُكافح في جلب الرزق ، والتعب من أجل توفير حياة كريمة لنفسه ولأسرته. بدأ حياته في شقة صغيرة في منطقة شعبية بعض الشيء ولكنه لم يرض بهذا ، فكافح واجتهد وواصل الليل بالنهار في العمل ، أنجب طفلين حتى يستطيع أن يوفر لهم حياة كريمة. ومع كثرة الاجتهاد والعمل الدؤوب استطاع توفير شقة في مكان راقٍ وضمان تعليم محترم في أحد مدارس اللغات بل وحجز شالية في الساحل الشمالي أو أي مكان شبيه. ومع كثرة العمل ، وتشابك المسؤليات يجب لهذا التاجر وأسرته قسط من الرفاهية كالتفنن في أصناف الطعام والتنوع في أماكن المتنزهات التي يرتادونها ورقيها ، فمن يعمل كثيرًا من حقه الراحة أكثر من غيره. يجب أن تظل ثلاجة بيته مليئة بأشهى أصناف الطعام وأجودها على الدوام ، فالجمبري والسيمون في ميه و الحمام لا يهجروا الثلاجة أبدًا. وهذا التاجر الورع لا يفوته فرض من فروض الصلاة بل يصيلها فور انتهاء الآذان ، يصدر فرمان الحجاب فور بلوغ ابنته ، الزكاة تدفع في وقتها والحج قد أقامه ولله الحمد.

ويتميز هذا التاجر بأن كل شئ عنده واضح بلا أسرار ولا تفاصيل ، فلا مكان للأسئلة الكلية في ذهنه ، ولا ضرورة للكدح والمكابدة في قاموسه فما بقى إلا السؤال عن الجمع القصر في فروض الصلاة وهو بالساحل الشمالي وتحديد أنصبة الزكاة واتجاه القبلة بدقة. وإذا ما سأله سائل عن القضية الفلسطينية لأجاب أنهم باعوا أرضهم وفقراء العالم لقال “هما مش مجتهدين كفاية وهما السبب وفي عيشتهم ديه” ويقوم بسرد الكثير من القصص التى رآها بأم عينيه لأناس فقراء ولكنهم السبب فيما آلوا إليه ، فجميعهم يأخذ مهيته ويذهب إلى القهوة لينفقها أو ليشترى بعض المخدرات. وثورات الربيع العربي مؤامرات ودسائس ، فما قام بها بعض الشباب الذي ذهب إلى الخارج فتم تمويله وتدريبه على إثاره الفتن وإقامة الثورات والقلاقل.

ومثال لمقاول أنقاض آخر تراه في موظف شاب في أحد الشركات “المالتي ناشيونال”. أخذ الكثير من الكورسات ودورات التدريب ، ولغته الإنجليزية ممتازة ، ترقى سريعًا ووصل لمناصب قيادية ومعها تضاعف راتبه ليصل لعشرات الآلاف من الجنيهات وهولا يزال على مشارف الثلاثينيات ، معه الكريدت كارد مما يضمن له أضعاف راتبه بضغطة زر. ابنه يذهب لأحد المدارس الانترناشيونال ، تجده يقول له ” يالا روح أعمل shower  ويعلمه ال blue  وال black بلكنة انجليزية ممتازة. الولد يذهب للتدريب في أرقى النوادي ويرتدي من Zara  و H&M. ومثله كمثل التاجر العصامي  يصلي ولكنه ليس بنفس صرامته ، قد يؤجل الصلاة أو يصليها مجتمعة فالعصر المغرب قد يجتمعان نظرًا لضغط العمل. وإذا ما استفاق لوهلة ضميره لقضية الدين لرأى أن عليه الاقتراب من الله أكثر وأداء الصلاة في أوقاتها بل عليه صيام بعض النوافل لا رمضان فحسب.

كثيرة هي الأمثلة لنماذج من مقاولي الأنقاض في واقعنا المُعاصر تتعدد بتعدد الأفراد وتتنوع بتنوع الميول والاتجاهات والمآرب ولكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو التغافل عن مقاصد الدين وضرورات واجب الوقت مما ينتج عنه القبول بدين الاستحمار الذي يتعامل مع الدين كأفيون بالحديث عن جزئياته ومحاولة إحكامها وينجم عن هذا التلهي عن حقائق الأمور وتغافل مفاهيم الدين الرئيسة في حياة الإنسان كالكدح والكبد وصولاً إلى لتصبح الحياة في وجدانه بسيطة وسهلة ولا داعي لتعقيدها. ويكون نتاج حركة هؤلاء في واقع الأمة أثخن في زيادة جراحها لما تغافلوا عنه أو جهلوه ، وتضحى محاولاتهم للإصلاح أشبه بإنسان يجهل الطب كلية ويحاول علاج شخص ما بل ويفتيه فيما ينفعه وما لا ينفعه. فما أضر بالإنسان من هذه الحالة وما أفدح ما يخسره بقبوله أن يكون مقاول أنقاض على ركام حضارة أمته سواء وعى بذلك أو لم يعيه.

والله أعلم

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*