أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في مفهوم تفكيك الإنسان في الفلسفة المادية لـ د.عبد الوهاب المسيري [1-4]

قراءة في مفهوم تفكيك الإنسان في الفلسفة المادية لـ د.عبد الوهاب المسيري [1-4]

قراءة : زهر البيلسان – يقظة فكر – الجزء الأول

لطالما كانت الفلسفة المادية هي المرجع الأساسي للفلسفات الحديثة كالماركسية و البراجماتية و ملهمة النخب الثقافية و الفكرية, بل يمكن تفسير الآليات السياسية للدول من خلالها, فضلا عن تأثيرها في الظاهرة الإنسانية و تكوين نمط معين في تصور هذه الظاهرة. يقدم د.عبد الوهاب المسيري في كتابه الفلسفة المادية و تفكيك الإنسان دراسة لهذه الفلسفة يستهلها بإشكالية المادي و الإنساني مفسرا سر جاذبية هذه الفلسفة. ثم يبين قصورها في تفسير الظاهرة الإنسانية و مآلاتها.
1. الظاهرة الإنسانية
لن نحتاج إلى البرهنة على أن الإنسان يحمل ثنائية المادي و الغير مادي. فمن المادي حاجته للطعام و التناسل و النوم, مثلا. و من غير المادي حاجيات أخرى كالثقافية و الروحية و الأخلاقية و غيرها. بمعنى أنه لا يمك إختزاله في وظائفه البيولوجية فقط.
و طبعا الفلسفات المادية ليست بالسذاجة التي تنكر الجانب الغير مادي و لكن الإشكال في طريقة تفسيرها لهذا الجانب حيث ترجعه كليا إلى أبعاد و حسابات كمية و علمية بحتة فتقيس الظواهر الطبيعية في الكون بإخضاعها للتجربة و تطبق نتائجها على الإنسان

طبيعة تحوي ما يكفي لتفسيرها ولا توجد إذن حاجة لمركز آخر خارجا عنها أي الإله و هو ما يُسميه الدكتور د.عبد الوهاب المسيري بالمرجعية الكامنة. أي أن تفسير كل الأبعاد في الكون كامن فيه. و يُقدم تفسير مادي آخر برز وهو المرجعية الحلولية التي تقول بأن الإلاه موجود و لكنه يحُل في مخلوقاته, مثل على ذلك ما أطلق عليه هيجل مصطلح روح التاريخ أو الروح المطلق.
يرى د.عبد الوهاب المسيري بأن هذا الإختزال و التبسيط هو سر إستقطاب الفلسفات المادية للنخب الثقافية, فيقدم في مقابل هذه التفاسير , المرجعية المتجاوزة. وهي تعني بأننا نحتاج في تفسيرنا للبعد الإنساني الغير مادي إلى وجود مركز آخر خارج عن الطبيعة و هو الإله, يحتضن الظاهرة الإنسانية و يغطي قصور التفسير المادي الذي لم يصل إلى إجابات شافية لجوانب و أسئلة منها :

1. الأسئلة الو جودية

وهي الأسئلة حول الغائيات و العلل, من أين جئنا؟ و أين المطاف .. . أسئلة كثيرا ما يطرحها العقل البشري محاولا تفسير وجوده. و هذه الأسئلة الوجودية هي ما يميزه عن بقية الكائنات. فهو إن لم يجد إجابة شافية لا يستمر في الإنتاج الحيواني ,كما يقول د.عبد الوهاب المسيري, بل يتوقف و يُصاب بالذهول و قد يُصاب بإحساس بالعدمية. و هو ما يُفسر ظاهرة الإنتحار مثلا, أو الجرائم التي لا تصدر عن حاجة خلافا لحيوانات التي تتقاتل لحاجات غريزية.

2. الخريطة الإدراكية

إستعمل د.عبد الوهاب المسيري يهذ المصطلح ليُشير إلى ما يحدد نظرة و تفسير العقل البشري للوقائع. و هذه الخريطة تختلف من شخص لآخر, فما يراه البعض بديهيا قد يستوقف آخرين وما يركز علية شخص في جادثة معينة قد يراه آخر مجرد تفصيل و هكذا. يُعطينا مثالا من القضية الفلسطينية كيف أن الغرب لا تستوعب خارطته الإدراية المادية إصرار الشعب الفلسطيني على العودة إلى أرضه و رفضه الإغرائات فيحتفظ مواطن بمفتاح بيت لم يعد موجود أصلا و يفضل العيش في الفقر, فهو من منظوره تخلفٌ و قصور.
“فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمؤثرات مباشرة و إنما لطريقة إدراكه لها”.

3. التعبيرات الغير مادية

للإنسان ظواهر حضارية يعبر بها عن نفسه كالحس الجمالي, الخلقي, الديني, العاطفي, النشاطات الإجتماعية و غيرها و هي ظواهر لا يمكن تفسيرها و ردها كليا للجانب المادي فلا تُوجد لها غدد تفسرها.

4. الحرية و القدرة على التجاوز

يبقى الإنسان كائنا قادرا على التجاوز برغم الظروف والحدود الطبيعية و التاريخية و السياسية, قادرا على إعادة صياغة ذاته و بيئته حسب رؤيته.و التاريخ زاخرٌ بالشواهد. و يعبر د.عبد الوهاب المسيري هنا عن الفارق بين الزمن الإنساني و الزمن الحيواني ف من خلال ثنائيات فالزمن الإنسان هو زمن الإبداع و السقوط, المأساة و الملهاة, الخطيئة و التوبة..
كما أسلفنا, هذه النقاط الأربعة, لا تُوجد لها غدد و أنزيمات تفسرها. و يفسرها د.عبد الوهاب المسيري بمنظومة أخرى مغايرة تحوي بدل المصطلح الطبيعي المادي, مصطلح النزعة الجنينية في مقابل النزعة الربانية.
الأولى هي كالرغبة في العودة إلى الرحم حيث إشباع الاحتياجات المادية, فكأنها تمثل الجانب المادي للإنسان. أما الثانية فهي التي تسعى إلى تفسير الجانب غير المادي في الإنسان و الذي يستدعي وجود الله فهي تمثل رغبة في سمو الإنسان عن جانبه المادي. فهو ليس بالإلاه كما أنه ليس كائنا ماديا محضا. هو كائن مكلف و عليه أعباء أخلاقية. نشهد إذن إنتقالا من ثنائية المادة و الطبيعة إلى ثنائية الخالق و المخلوق, الجسد و الروح, المقدس و المدنس..

هو إذن كائن رباني, كما أسماه امسيري, يحمل في تكونه نفخة من روح الله, و له حدوده, و بينه و بين خالقه مسافة. و كلما إبتعد عن الله و تجاهل خاصياته الإنسانية المرطبتة بأصله الرباني, إتسعت هذه المسافة و أصبحت هوة.
هو الإنسان الرباني في مقابل الإنسان الدارويني.
يقول د.عبد الوهاب المسيري في هذا السياق ” إذا كان إكتشاف الشر في النفس البشرية قد قادني بعيدا عن الإيمان, فإن إكتشاف الخير فيها قد عاد بي إلى عالم الإنسانية و الإيمان. هكذا, بدلا من الوصول إلى الإنسان من خلال الله, وصلتُ إلى الله من خلال الإنسان”

 

 

تتمة القراءة في الأجزاء اللاحقة :

2. الهجوم على الطبيعة البشرية

3. الترشيد و القفص الحديدي ( الإمبريالية النفسية)

4. العقل النقدي و العقل الأداتي

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

6 تعليقات

  1. رائع رائع متابعين بشغف

  2. جمييييييييييييييل وممتع

  3. مشكور الجهد

    جزاك الله خيرا

  4. السلام عليكم
    رحم الله المفكر الكبير عبدالوهاب المسيري
    وننتظر بقية الاجزاء للاستاذتنا الكبيرة زهرة البيلسان
    وفقكم لله وسدد خطاكم انتم امل الامه ويقضة فكرهاااااااااااااا

  5. السادة الأفاضل:
    قد تكون هذه الرسالة ليست من اختصاصكم ولو أنها تخص الكل كونها تبين بالنتيجة البداية والنهايه لكل شيء .
    أني مهدي صالح مهدي من العراق حاصل على بكالوريوس علوم سياسيه من جامعة بغداد عام 1980 ومن مواليد 1956 ولدي علوم ذاتيه لدنيه غير مكتسبه توضح الحقيقه وليس لها أي علاقه لا بعقيده ولا بتيار فكري معين مدرجه أدناه كرؤوس أقلام غير مفصله خشية أن تسرق مني كنظريه واثباتها . أرجو توجيهها الى الجهه ذات العلاقه أو أعلامي بها فقد أرسلتها الى جهات كثيره أعتذرت لعدم الفهم والأختصاص مع تقديري .
    بعد التحية :-
    أود أن أعرض عليكم جميع علوم نشأة مفردات الكون وقوانينه وفق ذاتيته التي هي شئ ليس كباقي الأشياء خارجه عن حد التعطيل والتشبيه حسب النظرة التالية :-
    1/ أن نظريات نشأة الكون تفتقد لأصول نشأة الأشياء وتحيل على ألصدفه أو الغيب .وكذلك استغراق البحث في الأفاق لم يأتي بغايته إلا بقدر ربطه بالوعي الإنساني.
    2/ التوسع الكوني الحاصل هو نتيجة المد البصري من خلال التلسكوب وغيره لأن المنظور أليه يثبت بالبصر وهذا أحد قوانين الكون
    3/ معرفة أسرار بطون الإنسان تكشف أسرار الكون حيث أن مفردات الوجود الظاهر على ستة أنواع (المنظور أليها ). (الملموسة). (الموزونة). (المسموعة). (ذات طعم). (ذات رائحة). وتكون في أغلب الأحيان متداخلة .وأصل الأشياء كلها صور عارية عن المواد . خاليه من القوه والاستعداد . بمناظرتها تشرق وبمطالعتها تتم . وبحث العلماء ينحصر في هذه المطالعة (القوه والاستعداد) حيث المادة ودقائقها وطاقتها وسرعتها وهذا وحده لا جدوى منه بقدر إشراقها . . وأصل الإشراق هو العقل ولا أقصد به الإدراك أنما هو )جوهر بسيط درأك محيط) وبتكوين هذه المعادلة تنكشف الحقيقة .
    الموضوع غاية بالتعقيد يوضح بالمشافهة والجدل فما هو عرضكم ؟

    توضيح:-
    * أود أن أبين بأن وسائط الإدراك هي الحواس ألخمسه + تحسس الوزن.
    * إما أحوال الإدراك ( تصوراته أي المعاني التي يلبسها ) فهي ستة أيضا ثلاثة وخلافها :-
    1/ الحياة والموجود ولها صور فمثلا صورة الحياة هي الماء.
    2/ الحركة والسكون ولها صور فمثلا صورة الحركة هي الهواء.
    3/ الانفعال والسكينة ولها صور فمثلا صورة الانفعال هي النار.
    * إما مراتب نفس الإدراك إي نفس ألصوره فهي خمسه:-
    1)الجماد 2) النبات 3) الحيوان 4) الملكوت 5) الإنسان وصور ذلك كثيرة.
    *** وكل هذه الصور تندرج ضمن تصورات الإدراك .منها ظاهره ومنها كامنة إي لم تظهر لحد الآن . والتوسع الكوني الحاصل هو ظهور لبعض هذه الصور الكامنة.
    *وأروع إبداعات الإدراك هو العقل (جوهر بسيط درأك محيط ) ولكل واحده تفصيلاتها الوظيفية.
    ووظيفة العقل هي ربط كل الصور المذكورة أعلاه بعوالمها الحسيه ألسبعه. وعالمنا هو العالم السابع وفق نمطيته الحسيه. وتجري آثار العقل على كل الصور الكونية فتصبح محسوسة وفق قوتها واستعدادها التصوري.
    قد لا يفهم الموضوع بشكل جيد كونه لم يطرق بتاتا

  6. الأخ الكريم ..جزيتم خيراً على ماتفضلتم به من طرح عميق
    سوف نتواصل معكم عبر الإميل باهتمام شديد

    دمتم بخير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*