أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / المقاتل الاستراتيجي

المقاتل الاستراتيجي

عمار صبري

عمار صبري

     تخيل أنك مقيد اليدين فى حجرة مظلمة لها مخرج واحد وتريد أن تحرر نفسك من تلك الحجرة وتخرج منها ، ثم ها أنت قد اتخذت قرارك وتحركت كى تخرج ، لكن بدلا من أن تجد نفسك خارج الحجرة حرا ، إذا بك تصطدم بحائط لتقع إلى الأرض ، الآن ماذا ستفعل ؟ تخيل معى أنك قمت مرة أخرى واصطدمت بقوة أكبر بالحائط علَّك تخرج ، لكنَّ ردة الفعل لم تتغير ، فتسقط مرة أخرى إلى الأرض مع آلام أكبر ، ولأنك شخص نبيل وشجاع فلن تيأس من المحاولات ، ستحاول مرة أخرى وأخرى دون أن تفقد الأمل ، فماذا تتوقع أن تكون النتيجة إن كان هذا هو تصرفك مع تلك المشكلة ؟ هل ستخترق الحائط مثلا ؟  أم ستظل محاولاتك مستمرة حتى يصيبك الإجهاد وربما الموت ؟

    تخيل لو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فى بداية الدعوة قرر أن يدافع عن الضعفاء ويواجه مشركى قريش ، فكلف أصحابه بحمل السيوف لمواجهة المشركين ، وحماية أنصاره والزود عن دعوته ، تخيل لو فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك ، هل تعتقد أن دعوته كانت ستستمر كى نعتنقها نحن الآن ؟ ربما قضوا عليه وعلى أنصاره وأصبحت تلك الدعوة تاريخا يحكى عنه الشعراء ؟

 لقد امتلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- استراتيجيته الخاصة فى التعامل مع الأمر ، فليس استخدام القوة دائما هو الأمر الأصح ، لكن هؤلاء الذين يمتلكون استراتيجيات ورؤية للمستقبل هم من يفوزون ، كثيرا ما هُزمت جيوش كبيرة أمام جيوش أقل قوة بكثير بفضل استخدامها الفكر الاستراتيجى فى التعامل مع الصراع .

     لقد اشتقت كلمة استراتيجية من الكلمة الإغريقية ” ستراتيجوس ” والتى تعنى حرفيا ” قائد الجيش ” ، فالاستراتيجية بهذا المعنى تعنى فن قيادة المجهود الحربى برمته من اتخاذ القرارات الحربية إلى تحديد أى أرض تصلح للحرب والتوقيت وغير ذلك ، لقد كانت الاستراتيجية من اختصاص القيادة العليا للجيش التى تطلع على كل التفاصيل وترسم الرؤية المستقبلية وليس مجرد الوقوف عند المعارك الجانبية أو الخطوات الحالية .

    إن الفكر الاستراتيجى لا يتعلق فقط بالحروب ، ربما ارتبط ظهور الفكر الاستراتيجى بالحروب باعتبارها أقدم الصراعات على وجه الأرض ، لكن بالنظر الآن إلى طبيعة الحياة ، فقد أصبح للصراع  أشكال كثيرة ، فبذرة الصراع الآن فى كل تفاصيل الحياة ، إنها التنافسية الشديدة التى نحياها ، خاصة إذا كنت من أصحاب المشروعات الكبرى أو من يحملون على عاتقهم رسالة ويطمحون إلى النجاح ، إذا كنت من هؤلاء الذين يمتلكون رؤية حقيقية يعملون عليها فلابد وأن تمتلك فى طيات عقلك مهارات التفكير الاستراتيجى .

    جميلة هى قيم السلام الاجتماعى التى نتعلمها فى طفولتنا ، لكن واقع الحياة غير ذلك ، إنك منذ أن أصبحت تحمل فكرة تعمل لأجلها ، فإن طبول الحرب قد دقت من حولك ، حرب من نوع آخر يُطلق على العدو فيها منافس ، لكن الصراع موجود وإن غُلِف بابتسامة ، ففى تلك الحرب لن تفيد القوة بشيء ، ولن تكون المواجهة هى الحل الأمثل طوال الوقت ، لابد من أن تمتلك الاستراتيجية المناسبة لمواجهة المشاكل دون خسائر بقدر الإمكان ، يجب أن تدفع خصمك إلى الانهيار المعنوى قبل التسليم المادى ، ولعل أعظم استراتيجيات الحرب هى تلك التى وضعها “صان تسو ” مؤلف الكتاب الصينى الكلاسيكى ” فن الحرب ” ، حيث بنى استراتيجيته على إمكانية أن تربح الحرب دون حمام دماء ، مؤكدا أن الدول التى تربح حروبها بأقل خسائر مادية هى الدول التى تستطيع تحقيق ازدهار لمدى طويل ، فيمكنك وضع خصمك تحت الضغط المعنوى والتسبب له بمشاعر الإحباط والإرباك ، كذلك فإن ” المهاتما غاندى ” قد حول اللاعنف إلى سلاح لمواجهة المحتل البريطانى ، لم يستخدم القوة للمواجهة بقدر ما كان تفكيره إستراتيجيا بالدرجة الكافية ليعى أن فارق القوة لن يكون فى صالح الدخول فى صراع قوى ، فذهب لاستغلال نقاط قوته هو ، إنه الفكر الاستراتيجى والنظر إلى الأمور بالعقل وليس بالعاطفة .

    ربما تقول الآن بأننا نعزز الحرب اللا-أخلاقية ، أو نلغى دور القيم من الحسبان حين تكون هناك منافسة ، لكن الحقيقة غير ذلك ، فعندما يكون خصمك مستعد لأن يستخدم أقذر الأساليب لمواجهتك ، فعليك على الأقل أن تكون مستعدا لمواجهة تلك الأساليب القذرة وليس أن تكتفى فقط بأن تكون ضحيته المتمسكة بالمبادئ ، إن الذين يودون خوض غمار الحرب لأجل قضاياهم أو أفكارهم أو مشاريعهم لابد وأن يتسلحوا بكل الوسائل وأن يمتلكوا استراتيجيتهم ، فليس من العقل أن تظل تصطدم بحائط الغرفة المظلمة حتى تسقط قتيلا دون تحقيق أهدافك .

   وفيما يلى ستة مبادئ جوهرية ذكرها ” روبرت غرين ” فى كتابه ” 33 استراتيجية للحرب ” عليك أن تصبو إليها فى تحويل نفسك إلى مقاتل استراتيجى فى حياتك اليومية :

  • انظر إلى الأشياء بحجمها الطبيعى وليس كما تصورها لك عواطفك ، فى التفكير الاستراتيجى عليك أن تنظر إلى ردود أفعالك العاطفية كنوع من المرض الذى يجب أن تتخلص منه ، فالحب والعاطفة سيعميانك عن المناورات التى تدور من حولك ربما من المقربين إليك ، الخوف سيدفعك أن ترى الأمور بشكل مبالغ فيه ، أن تبالغ فى تقدير حجم عدوك وأن تكون ردود أفعالك دفاعية ، والغضب سيدفعك للتصرف بطريقة اندفاعية متسرعة تقضى على خياراتك ، والحل هو أن تحجم ردود أفعالك العاطفية ، وأن ترى الأمور بحجمها الطبيعى دون مبالغة أو تأثير عاطفى ، فحين تصيب النجاح كن حذرا ولا يصيبك الزهو ، وحين تكون خائفا اعلم أنك ستضخم الأمور التى تواجهها ، وحين تكون غاضبا لا تتخذ أى قرار ، فالحرب تتطلب أن تكون أكثر واقعية ، فكلما استطعت التخلص من مشاعرك العاطفية واستبدالها كنت أقرب إلى النموذج الاستراتيجى .
  • احكم على الناس تبعا لأفعالهم ، فى الحروب ليس هناك من كلام كاف لتبرير الفشل ، فالجنرال قد قاد الجيش للهزيمة ولن تفيد أى كلمات يقولها لتعويض الدماء التى سقطت ، عليك أن تطبق ذلك فى حياتك ، أن تحكم على الناس من خلال تصرفاتهم وليس كلماتهم ، فالكلام يجيده الجميع ، الكل قد يعرض عليك المساعدة لكن الذين سيقدمونها هم قليلون ، كذلك فما يقوله الناس عن أنفسهم ليس مهما بقدر ما يفعلونه ، فالناس يقولون كل شيئ ، كذلك العكس ، فيجب أن تطبق هذا المنهج على نفسك ، فلا تلق اللوم على الخصم ، ليس من المفيد الكلام حين تنالك الهزيمة ، فقط افعل شيئا جديدا استعد للمناورة القادمة ، أما الكلمات فلن تفيد فى شيئ .
  • اعتمد على ذراعيك ، فالناس يعتمدون فى طريقهم إلى النجاح على أمور تبدو سهلة وبسيطة ، أو قد استخدمت من قبل ، فقد يعتمدون على شبكة العلاقات أو الثروة أو غير ذلك من وسائل القوة ، أو على التكنولوجيا والميزات المصاحبة لها ، هذا يعنى أن تكون ماديا وميكانيكيا ، لكن التفكير الاستراتيجى يكمن فى أن تمتلك أدوات قوتك بداخلك ، فى ذكائك أنت ، لأن كل تلك الوسائل قد تسلب منك فى محطة من المحطات ، حينها يكون عقلك مسلحا بفن الحرب وهذا ما لا يمكن أن ينزعه أحد منك ، ففى خضم كل أزمة سيجد عقلك طريقة للخروج منها ، كما يقول صان تسو : ” أن تكون غير قابل للغزو يكمن فى داخلك ” .
  • استخدم الذكاء وليس القوة ، يمكنك أن تحول قوة وعنف خصمك إلى سلاح ضده جاعلا من وحشيته سبب سقوطه ، كن دائما متقدم بخطوة عنه ، متخذا خطواتك بطرق غير مباشرة وغير متوقعة لدى خصمك ، هدفك هو المزج بين الحرب والفلسفة ، والحكمة والمعركة ، إلى مزيج لا يهزم .
  • ارتفع فوق ساحة المعركة ، يجب أن تخرج من إطار ردة الفعل التى وضعك بها خصمك ، إلى الرؤية بعيدة المدى ، التفكير الاستراتيجى معنى بالأهداف البعيدة ، بتخطيط الصراع بأكمله ، بتوجيه المشهد وفقا لأهدافك ، معظمنا أشخاص تكتيكيون ولسنا استراتيجيون ، ننشغل فقط بالمعارك الصغيرة التى نحصر نفسنا فيها ، وليس هذا هو التفكير الاستراتيجى ، فالتفكير الاستراتيجى يجعلك تحلق فوق أرض المعركة تتحرك بخفة لترى مستقبل صراعك ومواضع قوتك وكيفية تحقيق أهدافك بعيدة المدى ، فالأناس التكتيكيون مثقلون وعالقون بالأرض ، أما الاستراتيجيون فهم خفيفون ويمكنهم الرؤية ضمن مدى أوسع وأبعد .
  • أسبغ على حربك بعدا روحيا ، إن أعظم الحروب هى تلك التى تشنها على نفسك ، على عواطفك ونقاط ضعفك ، وافتقارك إلى الوضوح فى رؤية الأشياء إلى النهاية ، عليك أن تعلن حربا لا تتوقف على ذاتك ، حتى تكتسب الثقة بذاتك والشجاعة والخبرة ، فبدلا من أن تكبت مخاوفك وتخفيها واجهها فعليك أن تحاربها ، فأنت تريد المزيد من التحديثات طوال الوقت حتى تصل إلى روح المحارب المنشودة .

    إن الاستراتيجية ليست فقط مجرد معرفة ، بل هى طريقة تفكير مختلفة ، وتعامل بشكل آخر مع الواقع والحياة ، إنها تطبيق لكل معارفنا فى حياتنا لتحقيق الرؤية والأهداف المنشودة ، لهذا فمن خلال سلسلة المقالات القادمة سنقدم العديد من الاستراتيجيات المختلفة المستخلصة من التجارب التاريخية الناجحة عبر التاريخ فى مختلف الميادين والمجالات ، حتى نصل إلى رؤية شاملة للطريقة التى يجب أن يكون عليها تفكير المقاتل الاستراتيجى فيستفيد منها كل شخص فى مجاله .

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*