أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / رواد الفكر / اشتباك المثقف بالسلطة عند إدوارد سعيد [1/2]

اشتباك المثقف بالسلطة عند إدوارد سعيد [1/2]

زهير الخويلدي

Edward_Saidاستهلال:

“إن محاولة  تحديد اللوم والمسؤولية في مثل هذه الفوضى صعب جدا إن لم يكن مستحيلا إلا لتسجيل نقاط حوارية” [1]

لا يمكن بأي حال الاتفاق على علاقة ثابتة ومستقرة بين المثقف والسلطة في نظر إدوارد سعيد. وذلك لا يعود إلى الطابع العلائقي المتحول والمجهري للسلطة وغزوها المكثف والمداهم لجل المجلات التي يتحرك ضمنها الانسان وإنما يرجع الى غموض الدور الذي يؤديه المثقف والاشتباك اليومي الذي يجريه مع الواقع والأهمية الكبيرة التي تمثلها الأفكار والمؤهلات التي حصل عليها وتجعلها يمارس نوعا من الوظيفة الحيوية في الوجود الاجتماعي والمجال السياسي.

لقد اشتهر إدوارد سعيد بنظريته عن الثقافة والإمبريالية وفكرته عن الاستشراق والمفاهيم الغربية للشرق وأطروحته تقول: “إننا نستطيع أن نفهم الجوانب الجوهرية لنظرية المستشرق الحديث وعلمه، لا باعتبارها معرفة موضوعية أصبحت متاحة عن الشرق، بل باعتبارها مجموعة من الأبنية الموروثة من الماضي، بعد أن قامت بعد المباحث العلمية بإكسابها صبغة علمانية” [2].

بيد أن إدوارد سعيد قد ترك التعريفات الكلاسيكية للمثقف جانبا ونظر الي هذا الخير من زاوية موقعه من السلطة والاستراتيجية التي يمارسها بها وحاول تمثل الصورة التي رسمها لذاته والصفة التي يمثلها والأشخاص الذين ينوبهم والشريحة التي يتكلم باسمها والطبقة الاجتماعية التي يعبر عنها. وقام بتفريق المثقف عن المتعلم والمفكر والمربي والأكاديمي والسياسي والخبير ورجل العلم والمعرفة. فهو ليس ذلك الشخص الذي ينتمي إلى طبقة فاعلة ومميزة بالتفكير النقدي والمتعالي ويحوز على مهارات عقلانية وحقق منجزات قيمية تسمح له بامتلاك طموح سياسي والمشاركة في الصراع والحلم بالمشاركة في صنع القرارات المصيرية للشعب وفي الدفاع عن الأمة وصيانة ثوابت هويتها، ولا هو ذلك القائد الذي يؤثر في الناس ويحرك الجماهير ويوجه الرأي العام وينفذ إلى قاع المجتمع ويحرك الشارع ويكون بارعا في استعمال مجموعة من الرموز والرؤى لأغراض الهيمنة والنفوذ. على خلاف ذلك “المثقف هو الشخص الملتزم والواعي اجتماعيا بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه وما يتبع ذلك من دور اجتماعي فاعل من المفروض أن يقوم بتصحيح مسارات مجتمعية خاطئة” [3].

فأي صورة للمثقف عند إدوارد سعيد؟ هل هو هاوي أم محترف؟ ما هي خصائص السياسة الثقافية؟ كيف تتميز علاقته بالسلطة؟ ماهو الدور العام للمثقف؟ لماذا يتعرض الى التهميش والاغتراب والهجرة؟ كيف يصمد أمام إغراءات السلطة؟ وماذا يحدث للشعوب والمجتمعات حينما يخون المثقفون رسالتهم زمن المحن والانكسار والأزمة؟ أليس المثقف هو الجانب الاخر من الحقيقة ومصدر استشراف الطاقة التي تدخرها الشعوب وتذود بها عند الأوقات الصعبة؟ وهل المثقفون فئة بالغة الكثرة أم فئة ضئيلة ولا تضم الا عدد محدودا ومنتقى بعناية شديدة؟ وهل يمثل حركة ثقافية تفعل سياسيا أم يسهر على التوعية للثقافية للشعب؟

ما يراهن عليه سعيد هو تفادي تدجين المثقف وإلغاء دوره في المجتمع من قبل السلطة وتشجيعه على صون استقلاليته وتحمل مسؤوليته عند الشداد والقيام بدوره الثوري في الثقافة التي يمثلها.

1- صورة المثقف:

” دور المثقف في الحياة العامة يعتبر اللاّمنتمي أو الهاوي الذي يعكر صفو الحالة الراهنة” [4]

المثقف عند سعيد ليس الممثل représentant الذي ينوب شريحة اجتماعية معينة في مكان اتخاذ القرار على غرار البرلمان ويكون صوت من انتخبه ومن أعطاه توكيلا بل هو Intellectuel رجل الثقافة والفكر ويختص بالذهن والذكاء والمنطق والتجربة ويمتلك مهارة الحوار العقلاني ويضم الوعي السياسي والتحضر إلى الالتزام الاجتماعي والممارسة النقدية والتربية الانسانية. اذا كانت صورة المثقف متعددة في الوجود الاجتماعي وتتوزع على جميع مستويات الحياة وبالخصوص علاقة الإنسان بنفسه وبغيره وبالعالم الذي يعيش فيه فإن المثقف الحق حسب إدوارد سعيد هو الشخص الذي تمسك بقيم عليا مثل العدالة وحقق استقلاليته التامة عن السلطة “بمعنى عدم الارتباط بقيود تحد من تفكيره أو توجه مسار أفكاره مهما تكن تلك الأفكار” [5].

بعبارة أخرى المثقف ليس السياسي المحترف ولا الخطيب البارع الذي يستميل السامعين وإنما الشخص الذي يمثل الفئات الشعبية والأغلبية الصامتة في مقاومة استبداد السلطة وظلمها وتعسفها. علاوة على ذلك يرفض المثقف أن يدافع على مصالح ضيقة وأغراض جزئية مثل الربح السريع والسلوك الأناني ولا يقتصر على تمثيل غيره مما لا يمثلهم أحد في دوائر السلطة ويكرس حياته للدفاع على قيم إنسانية كلية ولذلك يفضل أن يكون هاويا وتصدر عنه أفعاله باقتناع وعن حب وليس بإكراه أو تحت ضغط الحاجة أو خدمة أي طرف أو طمعا في جزاء. هكذا يحرص المثقف على تنمية قدراته الذهنية والجسمانية وتهذيب ملكاته النفسية والعقلية وينتصر للحرية والتفكير وينبذ القيود والعبودية والوصاية ويعول على نفسه في العناية بذاته.

إذا ألصقنا بالمثقف صفة المفكر الذي يقيم في برجه العاجي ونسقه النظري المجرد فإنه يصبح مثيرا للسخرية ومدعاة للاستهزاء والتهكم أما إذا ألصقنا به صفة النضال والمقاومة والثورة والحركية والنشاط والانتماء والالتزام والعضوية والكفاح والانحياز إلى الفقراء والتعاطف مع المهمشين والمتبني للقضايا العادلة والمدافع الشرس على حقوق الإنسان وحرية الشعوب والأقليات المضطهدة في تقرير مصيرها بنفسها فإننا نكون قد أنصفناها ورفعنا عنه الضيم.

لقد ألصق المثقف بنفسه صفات الوعظ والتبشير والتخصص والاحترافية وأصبح يبحث عن الشهرة والكسب ويخامره الطموح الى ممارسة السلطة والصعود الى الحكم وصار موظفا لدى شركة عالمية ووكيلا تجاريا للعولمة المتوحشة ونائبا عن حزب ومواليا لقناعات ومتعصبا لجهة.

وألحق أن المثقف لا يقبل الأوضاع على ماهي عليه بل يحتج و يتمرد ويسعى إلى تغييرها ولذلك يجد نفسه في عزلة ويعيش الغربة ويعمل على لفت أنظار الجمهور إليه ويكسب ود الناس ودعمهم في صراعه ضد خصومه ومواجهة السلطة المقدسة والقدر المحتوم  ويعمل على بناء حركة اجتماعية تعتمد على تشكيل ثقافي مختلف وتسعى إلى تخليص الإنسان من قيوده والارتقاء به. اللافت للنظر أن سعيد نبه الى قرب انتهاء وظيفة المثقف وتهشم صورته بفعل العولمة.

” يلوح لي خطر اختفاء صورة المثقف، أو احتجاب مكانته، في خضم هذه التفصيلات الكثيرة، أي النظر إلى المثقف باعتباره أحد المهنيين وحسب، أو مجرد رقم نحسبه في حساب التيارات الاجتماعية.” [6] وآيته في ذلك هو أن وظيفة المثقف في الحياة الاجتماعية تدحرجت إلى مرتبة الحضيض واختزلت صورته الرسالية إلى صورة مهني مجهول الهوية ومجرد فرد كفء.

جدير بالملاحظة أن الأفكار الأساسية التي تدور حولها أطروحة سعيد في علاقة المثقف بالسلطة هي التالية:

  • وظيفة المثقف في المجتمع لا يقوم بها عامة الناس وطبقة المثقفين ليست كثيرة العدد وإنما هم  قلة من الناس ينتمون الى النخبة ويؤدون دورا طليعيا ووظيفة تنويرية للحشود.
  • المثقف التقليدي يشارك بطريقة سلبية ويحافظ على الوضع القائم بينما المثقف المنسق يشارك بطريقة إيجابية في النشاط الاجتماعي ويناضل في سبيل تغيير الأفكار وتنمية البنى والمؤسسات.
  • يتميز المثقف الأصيل بالحركة الدائمة وغزارة الإنتاج ويتحلى بروح الابتكار والموهبة الفائقة والخلق الرفيع والمناداة بالمعايير الخالدة للعدالة والمساواة والمحبة والاختلاف والتعايش.
  • توجد فئة من المثقفين تخون شعوبهم حينما تتخلى عن رسالتهم ويفرطون في مبادئهم في سبيل الحصول على بعض المنافع المادية أو نتيجة الخوف من العقاب السلطوي.
  • المثقف الأصيل لا ينشد متعة نظرية في برج عاجي ولا يفرط في التحليل النظرية للحياة العلمية ولا يغرق في التأملات الميتافيزيقية للعالم الآخر وإنما يمتلك أهدافا عملية وأقرب إلى الواقع ويشعر بالأغيار ويعايش الوضعيات الصعبة عن قرب ويقاسم المهمشين مأساتهم.
  • صورة المثقف في الزمن ما بعد الكلياني لم تبقى خلابة وناصعة وإنما غطتها الكثير من الأقنعة والنماذج التي تتسم بالمحافظة والرومانسية الحالمة.
  • دور المثقف الشرقي هو ضروري في نقد الاستشراق وتمثيل نفسه والبرهنة على أن الثقافة الشرقية ليست مجالا للغزو والتخيل بالنسبة للغرب وإنما هي قد شاركت في صنع الكونية وحقل مستقل وغني من الرموز والخصوصيات التي يمكن أن تفيد البشرية.

2-    الافتتان بالسلطة:

“هناك عدد كبير من الناس لا يزالون يشعرون بحاجة للنظر الى الكاتب-المثقف كشخص ينبغي أن يصغي إليه كمرشد للحاضر المربك وكقائد زمرة أو جماعة تنافس من أجل قوة ونفوذ أكبر” [7]

خيانة المثقفين تبدأ حينما تظهر عليه علامات حب الربح السريع والبحث عن المناصب والسلوك الانتهازي والانتفاعية وذلك بتغييب الالتزام والتعصب للمعتقدات والأفكار والسقوط في التبرير والشخصنة وتغليب المشاعر الفئوية الضيقة على الوعي النقدي والاستهتار بالقيم التقدمية والكونية وتدنيس الحياة وبلوغ حالة الإفلاس الأخلاقي الكامل. لكن من هو المثقف على وجه التحديد؟ هل يمكن اعتبار كل الناس مثقفين أم فئة خاصة فحسب؟ وكيف يمكن تمييزها عن غيرهم من المتعلمين؟ وهل كل متعلم هو مثقف؟

من المعلوم أن سعيد يقسم المثقفين إلى نوعين: “الأول: يضم المثقفين التقليديين مثل المعلمين والكهنة والاداريين وهم الذين يستمرون في أداء ذلك العمل نفسه جيلا بعد جيل، والثاني: يضم من يسميهم المثقفين المنسقين، وكان غرامشي يرى أنهم يرتبطون مباشرة بالطبقات التي تستخدم المثقفين في تنظيم مصالحها، واكتساب المزيد من السلطة والمزيد من الرقابة.” [8]

يظهر المثقف حينما وجد البعض الفرصة للتعبير عن آرائهم بحرية ولما اختار البعض الآخر مجادلة كبار الساسة والمفكرين ورجال الصحافة والإعلام ومقارعتهم بالحجة.

 من حيث الظاهر يزعم المثقفون أنهم يمثلون وزنا اعتباريا لجمهورهم وقيمة مضافة لشعبهم فإنه من حيث الباطن يمثلون أنفسهم لأنفسهم ويسعون للوصول لتحقيق مآربهم وهم الأقل نفعا للناس والأكثر ضررا للمصلحة المشتركة ولا يزنون شيئا في العموم. من أجل ذلك يسعى المثقف إلى ممارسة السلطة وذلك بالتحالف مع رأسمال وبالتغلغل داخل جهاز الحكم والانتماء الحزبي والنقابي وبالتقرب من رجال الدين، وبالتالي يمكن التمييز بين المثقف العلماني الذي ينتصر للدولة المدنية والمثقف الداعي الذي يحبذ الدولة الدينية.

على هذا النحو تبدو رسالة المثقف كما ضبطها سعيد متمحورة حول ادعاء امتلاك القوة والتضحية بالنفس عند المحن والاستعداد للمواجهة وإتقان فن المجادلة ومنطق التفنيد ولذلك فإن المثقفين “لابد أن يكونوا أفرادا يتصفون بالكمال ويتمتعون بقوة الشخصية وقبل هذا كله، عليهم أن يكونوا دائما معارضين للوضع الراهن في زمانهم وبصورة دائمة” [9].

علاوة أن الصورة الأصلية للمثقف هي  أن يكون فردا قويا مميزا قادرا على أن يصح بالحق في مواجهة السلطة وأن ينتقدها كلما لزم الأمر بالكلمة العلنية والتحريض عليها.

إذا كان جان بول سارتر قد نظر إلى المثقف العالمي الذي يحرر الشعوب ويدافع عن العدل أينما وجد الظلم والاستغلال فإن ميشيل فوكو ينظر للمثقف المتخصص الذي يمثله الأكاديمي الذي يقوم بشغله داخل مخبره بإتقان وقادر على إفادة غيره إذا ما احتاج إليه. والحق أنه كلما قامت معارضة أو تفجرت ثورة إلا وكان المثقفون من يقف وراء ذلك لأنهم الأكثر قدرة على إلهاب مشاعر الجماهير وتحفيز الهمم وتحريك السواكن، “فلم يحدث أن قامت ثورة كبرى في التاريخ الحديث دون مثقفين وفي مقابل ذلك لم تنشب حركة مناهضة كبرى للثورة دون مثقفين، فلقد كان المثقفون آباء الحركات وأمهاتها” [10]. هكذا يطرح المثقف على بيئته التقليدية أسئلة محرجة ويرفض الجمود الفكري ويفصح عن قناعاته الغريبة ويتخذ موقفا مختلفا عن الرأي العام ويرفض استقطاب السلطة.

من الضروري التوقف عند تمييز سعيد بين الاستشراق السافر والاستشراق الكامن واعتباره المستشرق هو مثقف سلطوي يسمح للثقافة الغربية بأن تمارس هيمنة على الثقافة الشرقية وتصدر بشأنها مجموعة من الأحكام المسبقة وتشرعنها باسم العلمية ويشير الى اختطاف المستشرق لورنس للثورة التي قام بها العرب وتوجيهها لمصالح القوى الغربية الاستعمارية. ” ولا تكتسب الثورة العربية معناها الا حين يتولى لورنس تدبير معنى لها…وهنا يصبح المستشرق الصوت الذي يمثل الشرق وينوب عنه” [11]. فأي دور يضطلع به المثقف زمن الثورة؟ وكيف يتحرر من النظرة الاستشراقية؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ترجمة أسعد الحسين، دار نينوى، دمشق، 2011، ص.84.
[2]  إدوارد سعيد ، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عنائي، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة ، 2006 .ص.210.
[3]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.36-37
[4]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2005، ص.18.
[5]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، المقدمة، ص.11.
[6]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ص.43.
[7]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.282.
[8]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، المقدمة، ص.ص.33-34.
[9]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ص.38.
[10]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة،ص.ص.42.43.
[11] إدوارد سعيد ، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ص.375.

الجزء الثاني

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*