أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / عدوك كنز لا يفنى [2/2]

عدوك كنز لا يفنى [2/2]

عمار صبري

عمار صبري *

العدو الخارجى

يختلف الأمر إذا كانت معركتك مع العدو الخارجى، فبعد أن ناقشنا فى المقال السابق استراتيجيات التعامل مع العدو الداخلى، يمكنك الآن أن تلتفت إلى منافسك وخصمك فى المعركة، أن تواجه حين تكون مستعدا للمواجهة.

إن المواجهة لا تعتمد على مدى قوتك، ولا تعتمد كذلك على ما تمتلكه من نقاط قوة، بل على مدى قدرتك على إدارة تلك النقاط واللعب بأوراقك، كل الأطراف لديها ما تستطيع أن تلعب به من نقاط قوة، لكنَّ العامل الفارق هو إدارة تلك الأوراق للإيقاع بعدوك، فالمقاتل الاستراتيجي يبذل مجهودا فى التخطيط ودراسة الموقف، ويحقق الانتصارات السريعة، تلك الانتصارات الذكية التى تعتمد على التفكير الاستراتيجي وليس القوة المادية، يقول صان تسو : “إن القتال والانتصار فى جميع المعارك ليس هو قمة المهارة، التفوق الأعظم هو كسر مقاومة العدو دون أى قتال”.

  •  حدد عدوك:

 إياك وأن تشن حربا على عدو غامض، أتباعك لن يفهموا ذلك، لابد أن يكون العدو واضحا ومفهوما، إذا كنت فى مواجهة عدو معقد ومتداخل عليك أن تجعله أكثر بساطة.

كان الناشط السياسي سول ألينسكى يفعل ذلك حين شن حملة خلال الستينيات من القرن الماضي على التمييز العنصري فى المدارس الحكومية فى ولاية شيكاغو الأمريكية، فركز على المشرف الحكومي على المدارس ولم يلق بالاتهامات على الجميع، مدركا جيدا أن هذا الرجل سيلقي بالمسؤولية على من هو أرفع منه، وهكذا سيفعلون أيضًا فسيضطر من يقف فى الخلف أن يتقدم للمساعدة  حتى يتكشف الستار عن كل المسؤولين.

 وعلى غرار سول ألينسكي، لا توجه حملتك ضد خصم غير واضح المعالم أو محدد، فإذا كنت فى مواجهة منظمة ما أو هيئة أو دولة، عليك أن تركز هجومك.

إذا كنت فى مواجهة مع شركة منافسة لشركتك، فقط ركز على أحد مراكز الضعف عندها، دع كل التفاصيل وركز على أحد الأنشطة وركز هجومك، اختر أضعف الحلقات فى السلسلة وركز ضرباتك وستكسر السلسلة.

 إذا كنت فى مواجهة مع نظام استبدادي فلا يمكن بأى شكل أن تقنع جمهورا بأنك تشن الحرب على كل شئ وكل الجهات، فقط اختر حلقة وستستدعي تلك الحلقة باقى الحلقات.

إذا ما شننت هجوما على إعلاميين بعينهم فسيستدعون رجال الأعمال الممولين والذين سيستدعون قيادات سياسية تستفيد منهم، وهكذا ففى صراعك ينبغى أن تحدد عدوك بشكل واضح قبل أن تبدأ هجومك.

  • احفظ هويتك ولا تتنكر لها:

لا تتنازل كى ترضى طرفا ما، لا تشوه هويتك وتغير سلوكك كى ترضى البعض أو تكسب عدوك؛ لأن العدو سيظل عدوًا ولن يرضى بتنازلاتك، فقط ستعنى التنازلات ضعفك وهذا سيزيد الهجوم ضدك، أحيانا يلجأ البعض إلى التنكر لسلوكهم وهوياتهم نتيجة الهجوم عليهم، إن هذا الشعور بالاستضعاف يجلب الأعداء ضدك ويثير الأفاعى كى تهاجمك حين تمنحهم الشعور بالضعف، فقط تمسك بهويتك وأعلنها، اصنع ملامحًا للهوية أيا كانت تلك الملامح وأعلنها بكل قوة، تلك القوة هى ما ستفرض هويتك على الجميع، خض المعارك لأجل هويتك وستصبح واقعا وستصنع لها الاحترام.

 كانت تاتشر قد أصبحت رئيسة حزب المحافظين فى بريطانيا عام 1974 بعد أن خسر الحزب الانتخابات، لم يكن أحدا قد رأى سياسية مثل تاتشر، امرأة فى عالم يحكمه الرجال، تنتمى للطبقة المتوسطة فوالدها بقال، كانت ملابسها متزمتة أشبه بملابس ربة المنزل، فى حين أنها كانت تقود الحزب التقليدى للطبقة الأرستوقراطية، مع ذلك كانت تفتخر بأسرتها والطبقة التى تنتمى إليها،  وفى حين أن السياسين كانوا يميلون إلى كسب الود، كانت تاتشر  لديها شهية لشن المعارك، فكانت تهاجم خصومها بشكل مباشر، انتقدت حزب العمال والنظام الاشتراكي والاتحاد السوفيتي فى الوقت الذى كان هناك هدوئا فيه بين بريطانيا والاتحاد السوفيتى، كان كلامها جريئا بما يكفى لتحتل صدارة النشرات الإخبارية، ظن الجميع أن تولي تاتشر لزعامة الحزب كان محض صدفة، لكن ما حدث أن انتخابات أجريت فى بريطانيا وأصبحت رئيسة الوزراء.

لقد استفادت تاتشر من اختلافها عن خصومها، لتصنع لنفسها كينونة، عداؤها مع الآخرين جعلها مختلفة وذات هوية خاصة بها، لم تتنكر لهويتها أو تهرب منها بل حاربت لأجلها، لتحقق انتصارات سياسية على الأرض.

لهذا لا تتخلى عن هويتك أو ثقافتك أو سلوكك لأجل إرضاء الآخر، فقط انظر كيف تجعل ذلك نقطة قوة، اختلافك سيكون نقطة قوة حين تستطيع الاستفادة منه،  ولكن حين تتنازل تأكد أنك ستتنازل عن أشياء أخرى أكثر حتى تصبح مشوه المعالم لا مشروع لك ولا فكرة فتصبح صيدا بخثا لأى منافس أو عدو.

  • توقيت المعركة:

  لا تكن رد فعل للطرف الآخر، لا تنجر إلى معركة لا تنتصر فيها، يقول صان تسو:  ” نأى المقاتلون القدامى الماهرون بأنفسهم عن قابلية تعرضهم للهزيمة، وهم انتظروا فلم يبادروا بالهجوم حتى تلوح الفرصة لهزيمة العدو”.

حين ترى عدوك يمهد لمعركة ويستعد، فلا تنجر لمعركة هو مستعد لها، لا تنافس فى زاوية لا تمتلك فيها نقاط قوة، إذا كان مصارعك أقوى منك فعليك أن تؤجل المعركة للحظة ضعفه وتمنحه ضربتك ثم تحتفل بالانتصار، سيدوم انتصارك طويلا ويجعلك أقوى.

الذين يدخلون في معارك غير متكافئة يعرضون أنفسهم إلى استنزاف مواردهم، يتعرضون إلى فقد قوتهم بشكل بطئ، فمع توالى الهزائم الصغيرة تفقد ثقتك بذاتك وتصبح أكثر قابلية للهزيمة والفناء.

كمقاتل استراتيجي عليك تحديد عدوك بشكل واضح، عليك معرفة هويتك وإعلانها والالتزام بها، عليك اختيار توقيت الهجوم وتوقيت الهروب، عليك معرفة استراتيجيتك فى التعامل، فلا تهدر طاقاتك عبثا، بل تسدد رميتك وتحقق أهدافك.

“القائد العسكرى الماهر فى الدفاع يختبئ فى سابع أرض، القائد العسكرى الماهر فى الهجوم ينقض كالبرق من أعالى السماء، من الناحية الأولى فنحن بأيدينا حماية أنفسنا، ومن الناحية الأخرى فبإمكاننا إحراز النصر الكامل”.

صان تسو: “فن الحرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لمراسلة الكاتب: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. مقال رائع ، استفدت كثيرًا.
    شكرًا لك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*