أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الحرب الأخيرة

الحرب الأخيرة

عمار صبري

عمّار صبري

   كثيرا ما نقع رهائن الماضى ، أسرى لانتصاراتنا الأخيرة .  كثيرا ما تكون عوائقنا هى أفكارنا ، إنها الحرب الأخيرة ، أو تلك المعركة الأخيرة التى انتصرت بها ، فتظل أسير هذا الانتصار وتكرر نفس الاستراتيجية التى كانت سببا فى انتصارك كلما دخلت معركة جديدة . هنا لابد أن تشن حربا على ذاتك ، أن تهدم تلك الأفكار حول الماضى ، وتبنى مسافات بينك وبين الحرب الأخيرة .

إن انتصارك فى معركة أو صراع ما باستخدام تكتيك معين لا يعنى هذا أن تستخدم نفس التكتيك كلما دخلت معركة ، قد يصبح هذا الانتصار أكبر عائق لك فيمنعك من الانتصار مجددا ، سيشكل حاجزا بينك وبين التفكير الاستراتيجى المجرد من الماضى ، سيمنعك من دراسة الظروف الحالية ومعرفة التكتيك الأمثل ، فالعقل البشرى يستسهل استخدام ما هو مجرب ومعروف ، يعود بك إلى خبرتك الماضية ويستحضر الطريقة الأسهل أو المضمونة ، فى حين أن ظروف المعركة قد تغيرت وتكتيكك المنتصر مؤخرا بات قديما ، يقول روبرت جرين فى كتابه ” 33 استراتيجية للحرب ” : ” أعظم الجنرالات والاستراتيجيين الخلاقين لا يتفوقون بسبب امتلاكهم معارف أكبر ، بل لأنهم قادرون عند الضرورة على التخلى عن مفاهيمهم السابقة والتركيز بكثافة على اللحظة الراهنة .”

فعندما سئل نابليون بونابرت عن مبادئ الحرب التى اتبعها ، أجاب أنه لم يتبع أى مبادئ ، كانت عبقريته تكمن فى التجاوب مع الظروف ، فالمقاتل الاستراتيجى ليس لديه قواعد ثابتة فى التفكير ، ولا يستند إلى نظريات ثابتة ، فالنظريات والقواعد فقط تمنحك رؤية أوسع للأمور لكنها لا تشكل قرارك فى النهاية ، فقط أنت من يضع الاستراتيجية الأمثل للتعامل وفقا للموقف الحالى وبشكل منعزل عن كل المواقف الماضية .

  • من التاريخ :

فى العام 1605 م ، كان هناك شخص يدعى موساشي وكان ساموراى صنع لنفسه شهرة كسياف ماهر وهو فى العشرين من عمره ، وقد تحداه شاب يدعى ماتاسيشيرو وهو من قبيلة مشهورة بالقتال بالسيف ، وقد كان موساشي قد هزم والده من قبل وقتله ، وفى مباراته مع والده كان قد جاء متأخرا ليغضب خصمه ، لكنه فى تلك المباراة مع ماتاسيشيرو جاء مبكرا عن موعده واختبأ بين الأشجار ، وفى الموعد جاء ماتاسيشيرو وهو يفكر فى أن خصمه سيأتى متأخرا عن موعده لكن تلك الخدعة لن تخدعه فهو يعرفها جيدا ، وبمجرد أن جلس ممتدا على الأرض ، حتى خرج موساشى من بين الأشجار مهاجما إياه وهو يقول : ” لقد انتظرتك طويلا ، لقد كانت المفاجأة مربكة  لماتاسيشيرو فقتله موساشي وانتصر ” .

لم يلجأ موساشي للتكتيك السهل والمجرب ، لقد درس الموقف جيدا وعرف ما يجب فعله هنا ، لقد فاز موساشي فى كل المبارزات التى دخلها حتى لم يبقى له منافس ، باختصار اعتمد منافسوه على تقنيات بارعة ، لكنها مكررة ، فمن يستخدم سيفا طويلا يجعله فى مأمن عن خصمه كان يكرر ذلك مع كل منافسيه ، إنهم يخوضون الحرب الأخيرة ، فى حين أن  موساشي لم يفعل ذلك ، لقد اهتم بكل معركة على حدى لم يخض الحرب الأخيرة مطلقا ، فقط كان يدرس الموقف ويتعامل وفقا للظروف الحالية .

  • من الحاضر :

   كونك ربحت معركة إعلامية بتدشين حملة مستخدما السوشيال ميديا  ضد خصمك لا يعنى أن تفعل ذلك فى كل معركة منتظرا النجاح ، أو كونك اعتمدت أسلوبا فى الحشد السياسى أصاب هدفه فى معركتك يعنى ذلك أن هذا التكتيك لابد أنه الأصوب فى كل المعارك ، أنت هنا تخوض الحرب الأخيرة ، فتظل أسير أفكارك .

 كمقاتل استراتيجي لابد وأن تتمتع بقدر كبير من المرونة ، ليست لديك قواعد فى التفكير ، فقط تحتاج أن تتخلص من الخرافات والأفكار الخاطئة ، فالاستراتيجية ليست مسألة تعلم سلسلة من الأفكار أو الحركات التى يمكن اتباعها للخروج من أزمة أو الانتصار فى معركة ، فليست هناك وصفة جاهزة أو معادلة سحرية لتحقيق النصر ، فالأفكار والخبرات والأمثلة التاريخية ليست سوى مغذيات تقبع فى ذهنك ، لذا دعك من كل هذا وتعلم كيف تصبح مفكرا استراتيجيا تصنع الاستراتيجية الخاصة بك .

وفيما يلى عدة خطوات تساعدك على اكتساب بعض التكتيكات التى يمكنها مساعدتك على الاحتفاظ بالتدفق الطبيعى للعقل :

  • حطم صنمك :

إن إيمانك بأن الاستراتيجية لديها قوانين ثابتة ومواقف متجمدة يعنى أنك تتحرك نحو الفشل ، فليست هناك تكتيكات ثابتة وغير خاضعة للتغيير ، أنت من يعرف ما يجب فعله وفقا للظروف ، حطم تلك الأصنام التى تملأ عقلك ، انتهى منها وفكر فى حلول أكثر تناسبا مع الموقف .

  • كن أكثر مرونة :

كن مرنا فى تقبل المعلومات الجديدة ، لا تجعل ما تعلمته يعيقكك عن استقبال المعلومات الجديدة ، فتركيزك على القواعد القديمة التى تعلمتها يجعلك لا تجيد استقبال الموقف الحالى ، فأنت تركز على المعركة الماضية بدلا من التركيز على المعركة الراهنة ، فمن الأفضل أن تتخيل أنك لا تعرف أى شيئ ، سيجعلك هذا تستقبل بشكل أفضل ، فأنت بحاجة لأن تتعلم ما هو جديد .

  • قف فى المربع (أ) من جديد :

لا تجعل الانتصار فى معركة يأسرك ، دائما تعامل مع كل معركة كأنها المعركة الأولى ، كان لاعب البيسبول الأمريكى تيد ويليامز وهو أحد أعظم الرماة فى تاريخ اللعبة ، كان ينسى دائما آخر رمياته سواء أصابت أو فشلت ، بالنسبة إليه ليست هناك رميتين متشابهتين حتى لو كان متلقى الرمية شخصا واحد ، فقط يجب أن تركز على تفاصيل الحاضر وتنسى الماضي كى تصيب الهدف .

  • لا تكن ساكنا :

الحياة متحركة لا تتوقف ، فلا تقف أنت ساكنا أمام موقف ما أو أفكار معينة ، فمن يملك السرعة والحركة لديه فرصة أكبر ، تعامل بعقلية طفل وليس كهلا مترهلا ، ما أن تجد نفسك متوقفا عند فكرة ما تجاوزها ، لا تدع روحك تموت أمام الأفكار البالية ، كن متحركا دائما ، دع ذهنك يكتسب المرونة اللازمة واجعل عضلاتك الاستراتيجية تنمو مع الوقت .

  • تجاوب مع طبيعة الزمن :

حين تكون متمسكا بقواعد قديمة مؤمنا بها ، تعتمد على أساليب محددة فى التعامل ، فتوقع أن منافسا أكثر مرونة يعتمد أساليب أكثر حداثة سوف يجعلك تخسر كل شيئ ، لأنك باختصار لم تتجاوب مع طبيعة الزمن المتغيرة ، حدث ذلك فى معارك تاريخية التقى فيها الماضى مع المستقبل ليلقى هزيمة كبرى ، كحروب الفرس والبيزنطيين مع جيوش المسلمين التى اعتمدت أسلوب قتال جديد ، فأساليبك التى تعتقد فى جدواها لن تصبح مجدية مع مرور الزمن .

  • لا تكن متوقعا :

إن أخطر ما يكون فى المنافسة أو الصراع ، هو أن تكون ردود أفعالك متوقعة لخصمك ، فحين تكون ثابتا وتعتمد أفعالا محددة ويمكن لخصمك أن يتوقع ردود أفعالك ، فإنك تلقى بنفسك مستسلما فى قبضته ، التفكير الاستراتيجى لا يجعلك متوقعا ، بل تكون ردود أفعالك مبنية على ظروف المعركة وليست مبنية على ماضيك .

    إن أصحاب الأفكار والقضايا وأصحاب المشروعات الكبرى ، من يتعاملون مع خصوم ومنافسين لا تهدأ حياتهم من المعارك والمنافسات ، لذا ينبغى أن تمرن عقلك على كيفية التفكير الاستراتيجى ، أن تكون لديك استراتيجياتك الخاصة ، أن تحلل موقفك وتعرف خصمك وتبنى رد فعلك بشكل مناسب وليس فقط وفقا للقواعد المحفوظة ، فالحرب الأخيرة وقواعدها لن تفيدك فى الحرب الراهنة .

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*