أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: نحو عمران جديد لد. هبة رءوف عزت

قراءة في كتاب: نحو عمران جديد لد. هبة رءوف عزت

جميلة تِلوت

نحو عمران جديدإذا كانت الترجمة خيانة، فإن التلخيص خيانة أكبر، خصوصا إذا تعلق الأمر بمؤلف يحمل طابعا تأسيسا فيه زخم من الأفكار والآراء، مما يجعلك تقتصر على أهم الأهم، وهذا الانتقاء يرجع إلى عين الناظر، فهو يقارب ويسدد، وقد يخطئ..لكن ذلك لا يمنع محاولة تسلم بالتقصير والانتقاء في نقل أهم الأفكار، في أفق كتابة مقالة أخرى مستقلة لتناقش أهم المذكور في الكتاب وتتحاور مع مؤلفته.

فأقول متوكلة على الله؛ أصدرت الدكتورة هبة رؤوف الكتاب الأول في سلسلة “الفقه الاستراتيجي” بعنوان “نحو عمران جديد“.

وقامت بمعية الأستاذ أحمد عبد الجواد زايدة بتعريف موجز لمشروع “الفقه الاستراتيجي” وأهدافه التي تتلخص في التركيز على الانفصال الذي حصل بين علوم الوحي وعلوم الواقع، بعد أن كانت العلوم الإسلامية  خريطة متحركة تتكون بتكون الواقع وتنضج بمعرفة تضاريسه مع الحفاظ على الإطار التوحيدي الذي يؤطرها ويوجه بوصلتها.

لكن مع غياب الرؤية الكلية الرحبة الأفق وعدم الاستيعاب لخريطة العلوم ومعرفة وظائفها ومقاصدها تنظيرا وتنزيلا أدى إلى تعطيل دورها في صناعة العمران، فصارت العلوم جزرا منعزلة.

من هنا بدأت فكرة “الفقه الاستراتيجي” عام 2011 من أجل نحت مسار موسوعي خاص بالفكر والفقه وعلوم الاجتماع والواقع وتكوين العقول بخبرات متعددة وأدوات تفكير منهجية متوازية، وربطها بدوائر العمل ومساحات الاجتماع والاقتصاد وأوجه العمران، حتى لا يقوم الفقيه بتنزيل رؤاه الفقهية على واقع يناقض أصل ما جاء في تأصيله، مما قد يظنه محققا للقصد الشرعي فيصف واقعا غير شرعي بأدوات شرعية.

بعد هذه المقدمة العامة حول المشروع، يبدأ الكتاب فعليا ليفصل في معالم الفقه الاستراتيجي من منظور عمراني في محاولة لرسم خرائط القضايا وإعادة النظر في المفاهيم، وإثارة الأسئلة واستشراف المستقبل.

بدأت الأستاذة بالحديث عن هم التجديد وإشكالاته وعوائقه حتى من ممن يدعيه، وحاجة الفقيه والمفكر والفيلسوف والسياسي إلى معرفة النسق الحاكم للتصور الإسلامي لتحرير مناط القضايا وتنزيله، وتلمس خرائط حلال العصر وحرامه”.

الفصل الأول: المنطلقات والدعائم والأسس

في هذا الفصل ستعرض الأستاذة لعدد من المفاهيم التأسيسية بدءا بمفهوم “الفطرة” مستندة في تصورها المفاهيمي على الدلالات القرآنية والاستعمالات النبوية لهذا المفهوم، لتخلص أن الفطرة تقترن في التصور الإسلامي بالوحدانية والدين، والوعي بها يتأثر بالبيئة والتنشئة والمجتمع.

لتنتقل بعد ذلك لربط الحرية بالفطرة، لتؤكد أن الخروج بالحرية من الفطرية يعني بالضرورة نسبية الأخلاق؛ إذ إن مجافاة الحقيقة وهجر الشريعة لا يترك مجالا إلا للهوى.

لتقول إنه “آن الأوان لمفهوم الفطرة أن يغدو المفهوم القاطرة للفكر الإسلامي ومساهماته في الجدل الراهن بشأن قضايا الإنسان، كما يمكن أن يكون القاعدة الصلبة للمشروع الإسلامي والدعوة الإسلامية في مرحلة التجديد الراهنة نحو أفق مستقبلي للإسلام ورسالته كرحمة للعالمين”.

إعادة بناء مفهوم الأمة: التحولات والتصورات

من الفطرة تنطلق تصورات الروابط بين”الناس” وتحولات معاني هذا المفهوم، وقد عملت على إعادة تأسيس هذا المفهوم مقترحة أربعة مفاهيم للبدء بإعادة بناء مفهوم الأمة؛

بدءا بمفهوم “الفطرة” الذي يضع الأمة رابطة عقدية وإيمانية في سياقها الإنساني الأوسع ورسالتها العالمية كمنطلق وليس كمنتهى.

ثم مفهوم “العالمين” وذلك لإخراج تصور الأمة من أسر الدولة، لتتساءل: كيف يمكن تصور الأمة الإسلامية كحقيقة أخلاقية من دون أن نقع في وصم كل ما هو غير إسلامي بأنه غير أخلاقي؟

ومفهوم “المجتمع المدني العالمي”: وهذا المفهوم سمح نظريا بتجاوز فكرة “القومية المنهاجية” ليقدم أفقا جديدا للتفكير في العولمة، في أفق التفكير لتجاوز بقاء الشغف المتزايد في حدود مقارنة الإسلام والغرب من دون أدنى عناية ببحث مفاهيم الرابطة الإيمانية والثقافية والمواطنة من منظور أمم الجنوب والشرق.

وأخيرا مفهوم “المجال العام” بشقيه الداخلي والدولي، من أجل تطوير رؤيتنا لدور الأمة باعتبار الفعل الدعوي في الأساس فعلا تواصليا، والتحاور واللغة كأداة لبناء اتفاق على ملامح الإدارة المجتمعية والسياسية، وخلق توافق حول حلف فضول مجتمعي ومنه لحلف فضول دولي يتحدى هيمنة الدولة القومية على النظام الدولي.

بعد ذلك تكون المهمة الأعظم هي فهم خرائط الأمة في تحولاتها، مما يجعل بناء مفهوم الأمة كأساس لوحدة إسلامية عربية أخفقت تجاربها في حقبة الستينات في خطوة الوحدة القومية، وفي مفهوم الدولة الإسلامية، يجعل جدل الدولة والدين والأمة والوحدة يحتاج إلى الخروج إلى آفاق جديدة من حيث السقف واستكشاف واقع جديد.

من مفهوم العمل الشرعي إلى ساحة العمل العام: الواجبات العينية والكفائية

ارتكزت الأستاذة في هذا المبحث على مقررات الدرس الأصولي فيما يخص الحكم الشرعي، عاملة على توظيف مفاهيم الواجب وإعمالها، معتبرة العمل السياسي واجبا يتراوح بين العينية والكفائية فهو فريضة تتأسس على مفهوم الاستخلاف.

وقد استعاضت عن المفهوم المتداول في الحقل السياسي وهو “الحق”، لأن الحق يمكن التنازل عنه أو عدم استخدامه، وهو ما يؤدي إلى عدم المشاركة والسلبية السياسية التي تصبح في لحظات الضعف الحضاري وعدم تحكيم شرع الله خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، في حين أن مفهوم الواجب يتضمن قيم الأمانة والمسؤولية، فكان بذلك أساسا حركيا تعبويا لنهضة تنموية وحضارية.

الخدمة العامة: المنطق والمجالات وخرائط العموميات

يدور العمل مع التكليف وجودا وعدما، وتقوم الخدمة العامة على فلسفة التطوع والشعور بمسؤولية الانخراط في قضايا المجتمع وشؤونه وشجونه.

لكن انتقلت في العقود الأخيرة الخدمة من مجال التطوع أو الإلزام إلى مجال الاختيار كمجال تخصص وعمل، فصارت مجالا للتخصص فتدار نهضة المجتمعات من المجتمع وليس بالضرورة من قمة الهرم.

والخدمة العامة لا تكون فقط سد الثغرات بل بناء القدرات وتحديد المسارات بمشاركة المواطنين في مساحات العام، والمقصد منها دعم مدنية المجتمع، وتقوية شبكات المصلحة العامة في جذورها المجتمعية، فهي درع المجتمع ضد انفراد الدولة بتحديد مسارات “العام” وضد تحجيم الشركات العابرة للقارات التي لا تأخذ المصلحة العامة لكل مجتمع في الاعتبار بل مصالحها الدولية.

ومفهوم “الخدمة العامة” كما تؤسس له الأستاذة يتجاوز مأسسة المجتمع المدني ولا ينفيها فهو ينصب في الحقيقة على الفعل ذاته، وعلى الذات الفاعلة، في أفق إعادة صياغة مفاهيم ما بعد الاستقلال التي حكمت تصوراتنا للفعل المدني والحضاري والعمراني تحتاج إلى كثير من الخيال، والمزيد من الفعل الخادم لكل ما هو عام ويعم.

ما قبل النهضة: منطق العمران بين التأنس والتوحش

التركيز على الانتقال في التفكير في النهضة من أولوية السياسي/الدولة/المؤسسي إلى مبدئية العمراني/الإنساني/النفسي أمر أساس في فهم مفاتيح التغيير ومناط التحولات التي شهدناها ونشهدها في مجتمعاتنا العربية الراهنة، وقد انطلقت في ذلك من التحليل الخلدوني العميق للاجتماع الإنساني، وفهمه لسنن ومعنى الدورات التاريخية، مما يستلزم استيعاب التاريخ في حركته ومنطقه وليس في أحداثه ومحاكاتها، وفهم تاريخ العالم وسنن الله في الأنفس واستعادة الوعي بالبشرية، بعيدا عن التصورات العمومية عن النهضة، والبحث عن نماذج النهضة خارج الإطار العربي، والتوجه شرقا وجنوبا للبحث عن نماذج متنوعة من التنمية والنهضة وتصورات للعلاقة بين السياسي والاقتصادي، والدولي والقومي، والدولة والمجتمع الغائب، لنستقي دروسا ونتعلم كيف نهضت بعض النماذج وتعثرت أخرى، وترواحت ثالثة بين هذا وذاك.

في عملية الانتقال هذه وجب إدراك علاقة العمران بعمارة الأرض، وكيف أن الأرضية التي يقف عليها العمران كمفهوم حضاري مركب قد تكون أرضية النهضة أو ساحات الصراع.

وقد  تنبه الفقه الإسلامي، كما تقول الأستاذة، إلى حق الإنسان في الأرض، وفي رسالة الإسلام كان للأرض مكانها في التشريع للمساحات والحقوق، كانت الأرض دوما المساحة والمجال للتشريع والتفعيل، فالمكان والمدن والعمارة وسائط بناء النهضة، والأمكنة تحتاج في بلداننا إلى إعادة تأسيس معرفي وعملي.

عمران الفطرة وفطرة العمران

رحلة التاريخ السياسي هي رحلة أجسادنا في تفاعلها –أو صراعها- مع السلطة في مساحات المدن ونماذج العمران، تريد السلطة أن تهيمن على أجسادنا لتبني “الجسد السياسي” أي الكيان المتخيل للأمة.

إن تأسيس نظريات جديدة للعمران والمدن تحيي فقه المكان، ويصلح ذلك مدخلا لتدشين حركة لحق الأمة في تدبير عمرانها كمدخل لاستعادة مجالات إنسانيتها، وساحات رساليتها.

عن النهضة المنشودة

لتحقيقها نحتاج إلى رؤية ثاقبة، وصناعات ثقيلة للفكر، وعناية فائقة بإعادة صياغة خرائط العقل، وتحصيل لموارد القوة بأنواعها، وقد تحدثت الأستاذة عن رؤيتين لنهضة الأمم؛ وسمت الأولى ب”استراتيجية الفيل” وهي التفكير بشكل واسع وضخم، و”استراتيجية النمل”، ولكل واحدة خبراؤها، لكن تؤكد أن “استراتيجية النمل” أقدر على تغيير الحال من عصر إلى عصر، فدواب الأرض الصغيرة قد تكشف انهيار أنظمة كما دلت دابة الأرض على موت سليمان، ويظل عنصر الخطر في المشهد هو الجراد الذي تحكمه عقلية الإتيان على الأخضر واليابس والطيران بعيدها بعيدا، والفئران التي تكتفي بالقفز من السفينة وهي تغرق بعد أن تكون قد قرضت خشبها وحولته إلى ألواح متناثرة.

“استراتيجية النمل” ليست استراتيجية ثورية تراهم على استخدام القوة الصلبة أو تبحث عن تغيير مفاجئ وراديكالي، بل تعتمد الاحتفاء بالعمل في صمت، فهي لا تؤمن بالضجيج، وهي استراتيجية تؤمن بتقسيم الأدوار والتعاون المنظم والاشتراك في القيادة والإدارة اللامركزية، والتعاون في اتخاذ القرار، وشيوع المسؤولية لتستشعرها كل نملة.

كي لا ننسى الدعوة

الإبحار في السياسة ينسي في الدعوة، ومع الانجراف في الحياة اليومية، تحتل الأخلاق والتزكية والدعوة أولوية متأخرة لأن لحظة “التمكين” تغري وتستلب، فيجب ألا تشغلنا مسارات السياسة عن صناعة المستقبل والتفكير في استراتيجيات تغيير العالم، ولم تكن دعوة الإسلام دعوة فقط إلى مقاومة الجاهلية، بل دعوة إلى تأسيس وصياغة لنموذج رباني المنهج، إنساني الصبغة، رسالي المقصد، فكيف حاصرتنا الأزمات وانحبسنا في أمكنتنا وفرضت علينا السياسة هذا السقف المنخفض من التصور وتلك المسافة المحدودة من الرؤية؟

النهضة وصيغ التمدن ونماذج التغيير

تؤكد الأستاذة أن قضايا النهضة لم تعد شأنا فكريا خاضعا للفقه الحضاري والنظر الفلسفي في العلاقة بين الإسلام والغرب وملفات التغريب والاستقلال الحضاري، بل صار الأمر يحتاج من العقل المسلم والعقل العربي إلى شحذ أدوات فقه الأولويات ونظرية المصلحة والنظر إلى خريطة العالم بشكل مركب وإلى خيارات النهضة بشكل قِطاعي.

الفصل الثاني: عن المجتمع والدولة

العقل السياسي .. والتحرر من الدولة

تبدأ الأستاذة هذا الفصل بالحث على ضرورة البحث عن صيغ سياسية جديدة للحكم تحقق مقاصد الإسلام من عدل ومساواة وتبادل لكرسي الحكم ومساءلة وشفافية ومواطنة، بدل البحث عن “أسلمة” الدولة القومية الحديثة الحداثية التي نشأت ككيان ذي منطق داخلي متوحش، فقامت لتنشر مصالح الرأسمالية وتوفر لها شروط التوسع والاحتلال. ويظل الخطر الأكبر أن تهيمن الدولة كفكرة على العقل السياسي للناس فلا نفكر ضدها إلا بها، ولا نتمنى ترويضها إلا لنكون أشرس إذا صرنا في مكانها، أن تدمر الدولة خلايا العقل السياسي الرشيد للناس باتجاهاتهم ومشاربهم فلا يفكر هذا العقل إلا مستحضرا إياها، وبدلا من أن يقدم مشروع نهضة يتجاوز الدولة ويعيدها لحجمها ويضبط إيقاعها كي يترك مساحة أكبر وطاقة أعلى للناس وللمجتمع المدني والأهدلي والعضوي إذ به يحلم بأن يكون هو الدولة. فالأولى أن نجر فعاليات وتنظيم إدارة القرار والسلطة لمساحات الناس، ونعيد بناء تصورات وآليات الشورى، ونضخم فعل المجتمع السياسي اليومي عبر “ديمقراطية الحضور”. وليس الغرض من كل هذا هدم الدولة فوق رؤوس المستضعفين، بل إحياء عهودها وإعادة تأسيس أركانها.

في البدء كانت الأمة: بين قومية الغرب وأمة الإسلام

في المجتمع الإسلامي الأول لم تكن الدولة ذات دور هامشي، لكنها لم تستطع أن تتحول إلى مطلق نهائي، فبقيت سلطتها محددة بكونها أداة حماية المجتمع، وهي الوسيلة لتحقيق أهدافه ودعم الجماعة/الأمة، ذلكم أن المشروع السياسي للإسلام هو تكوين الجماعة/الأمة باعتبارها المجال الوحيد لتحقيق الدين.

تفكيك العلمانية: من المواجهة إلى الاشتباك إلى ما بعد الدولة

إن جدل العلمانية والدين أكثر سخونة لأنه يتعلق بالدولة والسلطان وليس بالإدارة السياسية، وصعوبته تنبع من مجموعة من الأفكار الحاكمة للجدل الراهن في تصور الإسلاميين، ويظل السؤال الفارق في جدل العلمانية والدين هو: هل العلمانية في ظل الدولة القومية القائمة والنظم غير الديمقراطية الحاكمة هي أداة لتقويض الدين أم لحفظه؟ وهذا السؤال يرتبط بالمصلحة السياسية الواقعية المباشرة للمسلمين ولمستقبل الإسلام، والجواب عنه يحتاج إلى اجتهاد واسع المجال بشأن المقصود بعد فصل الدولة عن ديننا، وكيف يمكن صياغة مناطق قوة اجتماعية تساهم في تشكيل السياسة العامة الصحية والتعليمية والمالية والاقتصادية لصالح الأغلبية.

وتقدم الدكتورة أطروحة للنقاش مفادها أن الواقع السائد في دار الإسلام ليس واقعا إسلاميا بل هو واقع حداثي واستبدادي في آن واحد.

أول مدخل للجواب عن السؤال السابق كما تقترح الأستاذة يكمن في إعادة فك وتركيب منظومة المفاهيم الداخلة في جدل الدين والعلمانية، ثم تحديد تفاصيل الانتقال إلى نموذجنا المأمول بشكل يحمي الدين من هيمنة دولة تسيطر ليه، وتكون أول خطوة لتحريره واستعادة دوره هو فصل هيمنة وسلطة الدولة عنه.

لتنتقل بعد ذلك لتفصيل القول في العلمانية (الانتقالية) التي نريد لحماية الدين من الدولة اليوم.

ما وراء الفقهي وما قبل السياسة: تفكيك التباسات العلمنة

هل يمكن أن ننشد تجديدا في النظر لعلاقة الدين بالدولة خارج جدل الدين والعلمنة؟ بثلاثة قيود تكبل هذا العقل؛

 أولاها: انحسار معارفه عن مساحات العلوم الاجتماعية واقتصاره على ما سمي “العلوم الشرعية”، ولذا فإن تأسيس المعرفة التجديدية يجب أن يعبر هذه الفجوة في الاتجاهين ليس بعلمنة مناهج التعليم المدني ولا بتحديث أو علمنة مناهج التعليم الديني.

وثانيها: انحسار سلطة هذا العقل عن تغيير الواقع بتهميش العلماء وتأميم مؤسسات الوقف والتعليم والإفتاء، فافتقد العقل الفقهي الاجتهادي الدافع الأساس للتجديد والتطوير وانشغل بالقضايا الفرعية التي لا تسبب صداما مع السلطة.

وآخرها اعتزال العقل الشرعي مساحات الهموم العامة وانغلاقه على الهموم الفردية للناس واليومي من مشكلاتهم، بما أحدث –ومنذ قرون- خللا في خريطة الاجتهاد، فتطور في مجالات فقه العبادات ولم يتطور في غيرها من المجالات خصوصا فقه السياسة وفقه العولمة الاقتصادية والثقافية، مما جعله يعاني سطحية بالغة في التعامل الفكري معها، فلم يطور الفكر الديني بل وحتى الحركي تصورا متكاملا ومتطورا حول قضايا العدل الاجتماعي والحرية الاقتصادية.

لذلك فإن تنمية “الخيال الاجتهادي”، بتعبير الأستاذة، يستلزم انشغال الفكر الديني بثلاثة محاور رئيسة؛ أولاها قضايا العمارة والمكان، وثانيها: قضايا الوجود وحقوق الإنسان، وثالثها قضايا السياسة والعمران، لتثير الأستاذة جملة من الأسئلة الجوهرية التي شغلتنا عنها جدل العلمانية واعتبارها فكرة جسر في الاتجاه المضاد.

وترى أنه يمكن تنحية لفظ العلمانية جانبا والاشتباك مع المضمون، طرح الأسئلة وتقديم إجاباتنا نحن والبحث عن حماية الدين من بطش الدولة بفصلها عنه، فنقوم بفك الارتباط القانوني بين الرئيس ودار الإفتاء، وبين الدولة والتعليم الديني، وبين الحكومة ومناهج التعليم المدني، وتؤكد أن جدل العلمانية اليوم عمليا إلى أن يقوده علماء السياسة والاقتصاد من أصحاب الرؤية الإسلامية الحضارية.

لتنتقل بعدها للحديث عن المداخل الضرورية لفهم التغيير، مبينة دور النخب وموقف الجماهير، مؤكدة ان القيادة الناجحة تحتاج إلى جماهير فعالة تستجيب للرأي السديد وتطور عبر الشورى أو ديمقراطية العقل الجمعي

من الدولة إلى التجديد: في نقد الحداثة واستعادة معايير الحكم

في هذا المبحث تقرر الأستاذة أهمية الاشتباك مع صورة الدولة الإسلامية في أذهان المنتمين إلى الصحوة الإسلامية، وضرورة البحث عن الإسلامي في الإسلام السياسي والسياسي فيه، بتحديد معيار الإسلامية.

وخلصت الأستاذة أن معظم “التنظيمات” الإسلامية هي بنية حداثية بامتياز، بعيدا عما تقوله هي عن نفسها أو كيف يصنفها غيرها، مما يستلزم فهما عميقا لمرتكزات الحداثة التي تركها الاستعمار، لذلك ينبغي أن يكون إصلاح المجتمع بالدين في مشروع إصلاح اجتماعي كي يفهم الناس أولا أنهم يعيشون في مساحات الحداثة، وفي ظل ثقافة الفردية، ومنطق النفعية، وحلم الاستهلاكية، ينبغي فهم الدين وخرائط التدين.

ينبغي تقديم مشروع إسلامي للعمران نقدمه إلى الناس وهو غاية تأسيس نظام حكم إسلامي منذ عقود، وتحديد غايات الاجتماع الإنساني كما جاءت في التصور الإسلامي وتقديمها للعالمين كمنطلقات للإصلاح والتعارف والمجادلة عن النفع الذي يقدمه هذا التصور ليس فقط لشعوب الأمة بل للعالمين.

فقد انشغل الفكر الديني والخطاب الإسلامي بالقضايا الفقهية التفصيلية أو الأبعاد الأخلاقية الدعوية، لكن أهمل السياقات المكانية لتنزيل تلك القواعد والآداب فلم تنل الحظ الكافي من التأصيل لفهم التحول الذي أصابها في ظل اتساع السوق الرأسمالي وإعادة تشكيله للمساحة، وهذا يستلزم أساسا ضرورة التكامل بين السنن التشريعية والسنن الاجتماعية في الرؤية الإسلامية، وتأسسها على الفكرة، ثم يتحول إلى فقه حركي فاعل.

خاتمة وبداية: الدين وخرائط العلم والتمدن

تقرر الأستاذة في هذه الخاتمة جملة خلاصات معرفية، وإثارة عدد من الأسئلة الفكرية التي تعتبر محلا جديرا بالبحث والدراسة، لتخلص إلى أن العقل السياسي العربي في حاجة إلى استعادة قدرته على التخيل مستقلا، ليفكر من جديد في المفاهيم المركزية في مجال السياسة في ضوء فشل الدولة العربية من ناحية وصعود الانتفاضات والمقاومة من جهة أخرى.

وختمت بقولها: “ويبقى الملف مفتوحا.. والله أعلم”.

فهذه هي بعضُ بعضِ الأفكار المذكورة في الكتاب، أما التفصيل المفيد فمذكور في الكتاب، وأعوذ بالله من خيانة الفكرة، وتظل قوة الكتاب في أسئلته التأسيسية وفتحه آفاق البحث العلمي ووضعه عددا من الإشكالات لتكون قيد النظر، وتوجيه العمل من أجل التفكير المشترك عن مسالك التمكين للأمة نحو عمران جديد أكثر إسلامية.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. Wonderful goods from you, man. I’ve understand your stuff previous to and you are just too magnificent. I actually like what you’ve acquired here, really like what you are stating and the way in which you say it. You make it entertaining and you still take care of to keep it sensible. I can’t wait to read much more from you. This is actually a great website.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*