أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري [1/2]

قراءة في كتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري [1/2]

فكر حركةالكتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته
المؤلف: د.عبد الوهاب المسيري
الناشر: دار النهضة للطباعة والنشر
عدد الصفحات: ٦٢
الطبعة: الأولى / ١٩٩٨م
قراءة: عثمان أمكور

 يعتبر كتاب “فكر حركة الاستنارة وتناقضاته” لمؤلفه الدكتور عبد الوهاب المسيري أحد الكتب المهمة والجديرة بالقراءة رغم صغر حجم الكتاب؛ حيث إنه يسلط الضوء على  مدرسة فلسفية مهمة أسهمت في بلورة الفلسفة الغربية المعاصرة؛ حيث يظهر لنا هذا جليا حينما نتحدث عن العلمانية او الحداثة او ما بعد الحداثة , فكل هذه المفاهيم نجد لها جذورا في فكر حركة الاستنارة, كما تكمن أهمية الكتاب كذلك في كونه أرضية مهمة عرض فيها الكاتب بعض الأفكار الممهدة لدخول و فهم مشروعه الفلسفي العميق.

ولقد حاولت خلال هذه القراءة المتواضعة أن أسلط الضوء على معظم الأفكار التي تناولها الكتاب, بفهرس المؤلَف نفسه حيث تناولت القراءة “مصطلح “الاستنارة” في الخطاب الفلسفي العربي”ثم” أصول فكر حركة الاستنارة وبعض مصادرها  وبعض التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة.

مصطلح “الاستنارة” في الخطاب الفلسفي العربي:

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الدراسات العربية التي تناولت فكر حركة الاستنارة كانت عموما دراسات سطحية تميل إلى التعريفات السهلة البسيطة العامة [1] ولا ترقى لتقديم نموذج تفسيري مركب نقدي يطمح إلى إعطاء صورة أكثر عمقًا من تلك التي تتداول في الساحة الفكرية العربية؛ وذلك باستخدامها لمجموعة من التعريفات التي تختزل فكر حركة الاستنارة في مجموعة من الأهداف النبيلة التي لا يمكن للإنسان أن يختلف معها[2].

وهذا يظهر لنا جلياً في تعريفات مثل: “شجاعة استخدام العقل” [3] “لا سلطان على العقل إلا سلطان العقل” [4] أو عبارة كانط الجسورة: “كن جريئاً في إعمال عقلك” أو التعريف المعجمي الذي يرى حركة الاستنارة على أنها “حركة فلسفية في القرن الثامن عشر تتميز بفكرة التقدم, وعدم الثقة بالتقاليد, وبالتفاؤل والإيمان بالعقل, بالدعوى إلى التفكير الذاتي والحكم على أساس التجربة الشخصية ” [5]؛ فكما أسلفنا سابقاً فإن هذه التعريفات تتوقف فقط في إعطاء مجموعة من الأماني والأهداف النبيلة التي لا يمكن للإنسان أن يرفضها, ولكنها في المقابل تغفل جانباً مهماً وهو ما مدى تحقق متتالية الأماني والأهداف التي تعد بها حركة الاستنارة على أرض الواقع , كما يظهر لنا جلياً كذلك أن جل هذه التعريفات التي تناولت فكر حركة الاستنارة أعطت الأولوية للعقل وسلطت الضوء على ضرورة استخدامه متجاهلة تحديد نوع العقل الذي يجب إستخدامه؛ هل هو العقل المادي الأداتي الصرف الذي يسعى لتفسير الأمور والظواهر بشكل مادي محض, أم هو العقل القادر على تجاوز المادة [6].

واعتبر د. عبد الوهاب المسيري أن سبب النقل الدؤوب الذي يقوم به الفكر العربي العلماني لأطروحات الاستنارة يرجع أساساً إلى عدم انفتاحه على الحضارات “العالمية” بالشكل المطلوب حيث أنه يكتفي بانفتاحه المطلق على الحضارة الغربية التي لا تتعدى الفكر الماركسي والليبيرالي المتجسد أساسا عند فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا, ويجهل بشكل تام أي شيء متعلق بالاستنارة الصينية مثلا[7]؛ ظانا أن الأنمودج الغربي للاستنارة هو الأنموذج الوحيد الذي يُعنى بقضايا النهضة والإصلاح و التقدم, غير مدرك أن فكر الأنوار الذي يتبناه الغرب ليس فكراً عالميا بل هو فكر غربي ينتمي للمعجم الفلسفي والحضاري الغربي, ولا يعرف كذلك أن هذا الأنموذج الغربي المادي عرف إخفاقات كبيرة من بينها أنه عجز على أن يقضي على المجهول (الُمظلم) رغم زعمه في بادئ أمره أن رقعة المجهول ستنكمش إلى أن تنعدم على حساب المعلوم؛ و سوف يقدر الإنسان أن يـتحكم في الواقع انطلاقاً من القواعد والقوانين التي ستصبح معلومة لديه كلها, غير أن هذا الحلم التنويري أصبح سراباً؛ حيث إنه عجز على تقديم الحلول بل وقد ساهم في تأجيج الصراعات وظهور المتناقضات و نشوب الحروب المدمرة العالمية/الغربية ومساهمته كذلك في تدمير الطبيعة صانعة بذلك أرضية خصبة لخروج حركات لاعقلانية عبثية تعادي العقل وتبشر بنهاية التاريخ و تفكيك الإنسان [8].

أصول فكر حركة الاستنارة و بعض مصادرها:

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن جذور حركة الاستنارة التاريخية ترجع  أساساً إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر حيث عرفت أوروبا حينها انتشاراً واسعاً للفلسفات العقلية المادية الآلية بين الجمهور المتعلم والنخبة الثقافية السياسية [9] من أمثال أعضاء الجمعية الملكية البريطانية, أعضاء الأكادمية الفرنسية للعلوم, وأعضاء المحافل الماسونية والجماعات الإليوميناتي و الروزيكروشيان السرية[10]؛ وذلك تأثراً منهم بأدبيات وكتابات فكر عصر الاستنارة مثل كتب فرانسيس بيكون وخاصة مؤلفه “نوفوم أورجانوم – Novum Orgunum” وكتابات تومس هوبس الصارمة في ماديتها مرورا بحلولية باروخ سبينوزا وإمبريقية جون لوك ونظرة إسحاق نيوتن الآلية للكون وغيرهم من أمثال: جون جاك روسو ومونتسكيو وفولتير وجوليان دي لامتري وكانط وآدم سمث وتومس بن ووتومس جيفرسون وغيرهم الكثير ممن أسهم في إنشاء فلسفة حركة الاستنارة القائمة أساسا على رؤية مادية عقلانية تربط العقل بالطبيعة / المادة هذا ما يثمر رؤية للتاريخ والأخلاق والجمال .. إلخ ويحل العقل محل الإنسان بدل أن يكون الثلاثي المفترض هو الإنسان والإله والطبيعة وذلك كما هو الحاصل عند معظم المنظومات الفلسفية الموجودة [11].

  • عقل الإنسان:

الفلسفة الاستنارية فلسفة عقلية تعطي المركزية لاستخدام العقل؛ حيث أن هذا الأخير باستخدامه لقواعد المنطق والحواس والتجريب يستطيع أن يتجاوز الزلل والخطأ ومنه حسب التصور الاستناري فعلى العقل أن يرفض كل الحقائق المتجاوزة للطبيعة/المادة مثل الأساطير والأوهام والغيبيات والخرافات والمعتقدات والمسلمات التي لا تسلم بجدارة المادة على تفسير كل الظواهر, ولكن في واقع الأمر – حسب الدكتور عبد الوهاب المسيري –  فإن العقل الاستناري يظهر على صورتين الأولى هي العقل الفعال وهو تجسيد للتصور الكانطي للعقل؛ حيث يرى كانط أن العقل يستبطن مجموعة من الأفكار والمقولات التحليلية الكامنة والفطرية هي المسؤولة على تحويل الحقائق (المادية) إلى حقيقة وكليات [12], وأما الصورة الثانية التي يظهر عليها العقل فهي العقل السلبي المتلقي وهو التصور السائد عند فلاسفة الاستنارة الذين اهتموا بوضع أسس نظرية استنارية للعقل؛ حيث إنهم نظروا للعقل على أنه مادة تسجل وتُراكم كل الأفكار بشكل مادي وآلي وذلك انطلاقا من الادراكات الحسية وبتراكم هذه الأفكار البسيطة فإنها تتفاعل وتتلاحم وبشكل آلي وتراكمي وتدريجي لتنتج لنا أفكاراً أكثر تركيباً إلى أن تصل للأفكار الكلية [13]؛ وعموما أيا كان العقل سواء كان العقل الفعال أو السلبي المتلقي, فإن النظرة الاستنارية للعقل تنتهي لجعل العقل يحِل محل الإله وذلك لأنها تؤمن أن العقل قادر على أن يدرك الواقع بكفائة وجدارة عالية تخول له أن يصل إلى قواعد وقوانين تتيح له التحكم في الكون والهيمنة عليه ومنه كما أسلفنا فإن العقل هنا يحل محل الإله في المنظومات الدينية [14].

  • الطبيعة:

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري على أن دعاة الاستنارة ينظرون للطبيعة على أنها “مستودع القوانين المعرفية والأخلاقية والجمالية, ومنها يستمد الإنسان معياريته” [15] و أنها هي المرشد للإنسان والهادية له لبلوغ مصلحته وتحقيق تقدمه اللامتناهي وترشيد سلوكه الإنساني[16] ؛ هذا ما جعل الطبيعة منطلقاً لتأسيس مجموعة من المفاهيم مثل الخير والجمال والحق؛ مما تفرع عنه ظهور الدولة الطبيعية والإنسان الطبيعي والقانون الطبيعي والدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية وغيها [17] .

  • الإله:

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الفكر الاستناري تأرجح في نظرته للإله بين الإلحاد الصريح والربوبية [18]؛ غير أن هذا الأمر لم يظهر جلياً إلا ابتداء من الفلاسفة الموسوعيين الفرنسيين وخاصة فولتير المتأثر بأفكار جون لوك؛ هذا الأخير الذي كان ربوبياً “يؤمن بأن الإله هو المحرك الأول ,وـن ثمة علة نهائية وعقلاً أعلى ومهندساً أسمى للكون. والإله ليس جوهراً مستقلا وإنما هو حال في الطبيعة جزء لا يتجزأ منها وتنكمش إرادته وتتقلص لتصبح هي مبدأ الحركة الأولية في الطبيعة” [19], وتتطور هذه النظرة المادية والحلولية للإله إلى أن نصل لبيير كابانيس هذا الطبيب الذي كان ينظر للإنسان على أنه مادة خالصة “يمكن اختزاله إلى عمليات بيئية وكميائية وفزيولوجية ويمكن تحليله كما تحلل المعادن والخضراوات ويحلل فكره كما يحلل العناصر الكميائية وتُردأحواله النفسية إلى العوامل المادية المختلفة” [20] وهذا كان حال كل الفلاسفة الذين ذكرهم الدكتور المسيري حيث إنهم سلكوا مسلك النظر للإله من مسلك مادي حلولي اختزالي ولم يُنظر له بانه الإله المفارق الطبيعة/المادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– عبد الوهاب المسيري: “فكر حركة الاستنارة وتناقضاته”، ص: 3.
[2]– نفس المصدر، ص: 4.
[3] – نفس المصدر، ص: 3.
[4] – نفس المصدر، ص: 3.
[5] – نفس المصدر، ص: 3.
[6] – نفس المصدر، ص: 4.
[7] – نفس المصدر، ص: 6.
[8] – نفس المصدر، ص: 7.
[9] – نفس المصدر، ص: 10.
[10] – نفس المصدر، ص: 10.
[11] – نفس المصدر، ص: 10.
[12] – نفس المصدر، ص: 13.
[13] – نفس المصدر، ص: 14.
[14] – نفس المصدر، ص: 14 – 15.
[15] – نفس المصدر، ص: 15.
[16] – نفس المصدر، ص: 16.
[17] – نفس المصدر، ص: 17.
[18] – نفس المصدر، ص: 17.
[19] – نفس المصدر، ص: 17.
[20] – نفس المصدر، ص: 18.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*