أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / جهد يسير: مقال حول الحدس والعقلانية

جهد يسير: مقال حول الحدس والعقلانية

12036685_1466493073659744_2703309085786172447_n

مصطفى طه

تحدثنا فى المقالات الثلاث السابقة عن أخطاء عديدة نقع فيها باستمرار و بشكل منهجى ، بداية من الطريقة التى ندرك و نفسر بها العالم من حولنا ، مروراً بجهلنا الشديد بأنفسنا كأن كلاً منا يتعامل مع شخصاً غريباً لا يعرفه ، وصولاً إلى القواعد المختصرة العديدة التى يعتمدها العقل للوصول إلى نتائج سريعة، و التى – رغم صواب نتائجها فى كثير من الأحيان – يمكن أن تؤدى أحياناً إلى أخطاءاً جسيمة فى إدراكنا و تفكيرنا.
استمررنا فى هدم بعض الأساطير التى نسجناها و اعتقدناها عن أنفسنا و عقولنا، و كان ذلك ضرورياً، فإعادة بناء منهجية فكرية سليمة يتطلب أولاً هدم ما سبقها من منظومة خاطئة، و زرع المعتقدات الصحيحة عن كيفية عمل إدراك و تفكير كلاً منا كان يتطلب أولاً توضيح خطأ معتقداتنا السابقة لنقتلعها من جذورها.
فى هذا المقال، نتوقف عن عملية الهدم هذه لبرهة، لنقدم ما يمكن أن يكون أساساً لهذه المنهجية الفكرية السليمة، و ما يمكن أن يكون بداية لتوقف جزءً من هذه الأخطاء التى تحدثنا عنها.
ربما نكون قد ذكرنا أخطاءً فى أمور عديدة فى تفكيرنا و إدراكنا تبدو للقارىء مختلفة من حيث أساسها و مصدرها، و لكن هناك شيئاً مشتركاً بين هذه الأخطاء حتى الآن، و هو أنها جاءت نتيجة لإعتمادنا بشكل مباشر على ما يعرف بالحدس، و عدم إعتمادنا على العقلانية و بذلنا لأى مجهود عقلى تقريباً.

فما هو الحدس، و ما هى العقلانية، و كيف أدى حدسنا لحدوث هذه الأخطاء ؟

نعود مرة أحرى إلى أعمال الباحث دانيال كينيمان، الباحث في علم النفس وخاصة عملية الأحكام و إتخاذ القرارات لدى البشر والحاصل على جائزة نوبل لعام 2002 في العلوم الإقتصادية.

عام 2011  نشر كتابه ” Thinking , Fast and Slow ” أو ” التفكير سريع و بطىء ” و الذى يعتبر من أفضل ما كُتِب لتوضيح الفارق بين الحدس و العقلانية و الأخطاء العديدة التى يقع فيها إدراكنا.
يوضح لنا دانيال كينيمان فى كتابه أن بداخل دماغ كلاً منا نظامين للتفكير، كلاً منهما يعتبره شخصية مختلفة، لها صفاتها و إستخداماتها.
النظام الأول: و هو ما يمكن أن نعتبره الحدس، هو نظام أوتوماتيكى، سريع ، لا يُبذَل فيه أى جهد، و لا يتعمد صاحبه حدوثه. مثلاً عندما يطلب منك أحدهم نتيجة 2+2 ؟ ، تجد نفسك تلقائياً تجيب ” 4 ” ! أو عندما تنظر لوجه صديقك فتستنتج من تعبيرات وجهه انه غاضب!

هل تشعر أنك من أنتج إجابة المسألة الاولى أو استنتج غضب صديقك، أم أن الاجابة وجدتها تظهر فى عقلك و على لسانك من فورها ! بدون أى مجهود أو تعمد منك ؟!

هنا يكون النظام الأول قد تم إستخدامه للحصول على نتيجة تفكيرك ، بدون مجهود او تدخل منك، و بسرعة.
النظام الثانى: هو ما يمكن أن نعتبره ما يسمى بالعقلانية فى التفكير، هو نظام يدوى، به مجهود، و فيه تعمد، و يتطلب قدراً من التركيز . مثلاً حين يُطلَب منك إجابة حاصل ضرب 24 و 17 ؟! هنا تضطر للتوقف عما تقوم به، و تنصب على التفكير فى هذه المسألة، تتعمد إنتاج الإجابة، و تشعر بعقلك يعمل، حتى تخرج منك الإجابة : 408 ! تشعر أنك أنت من أنتجها، و لم تظهر كما فى المرة الأولى تلقائياً فى عقلك !
لهذا النظام الثانى إستخدامان أساسيان: العمليات الحسابية المعقدة – كما أوضحنا – و التحكم فى السلوك البشرى، كاختيار ألفاظك أثناء الكلام على سبيل المثال.
10562983_982886628401821_5762429217109132461_nتم إكتشاف وجود هذين النظامين من مجموعة من العوامل الجسدية و الذهنية التى تختلف باختلاف النظام المستخدم، حيث تعلق بالمجهود الذهنى الحادث فى النظام الثانى إشارات جسدية كتوسع بؤبؤ العينين ، و إشارات ذهنية كمحدودية الملاحظة لما يدور حولك نتيجة لتركيزك على المسألة محل التفكير ، و الإحساس بالإنهاك الذهنى فور الإنتهاء من التفكير ، طبعاً على قدر صعوبة العملية .
لماذا نلجأ أكثر إلى النظام الأول ، رغم عدم علمنا بوجود نظامين من أساسه ؟ لأنه النظام الأقل جهداً ، حيث يسلك العقل الطريق الأقل مقاومة و الأوفر جهداً ، نوعاً من الكسل الفكرى إن أحببت تسمية الأمر كذلك . فبالنسبة للعقل كلاهما طريقتين للتفكير ، و كلاهما يؤديان لنتائج فلماذا الطريق الأصعب ؟!
المشكلة هنا تكمن فى أن معظم الأخطاء التى تحدثنا عنها تنتج لاننا نستخدم النظام الأول بكثرة كما قلنا ، و نعتمد على حدسنا فى معظم إستنتاجاتنا ، و التى تكون بالمناسبة صحيحة فى معظم الأحيان ، و لكن هذا النظام الأول – الحدس – عرضة للخطأ ، و هذا لكونه اوتوماتيكى ، و هنا ينبغى للإنسان أن يتدخل يدوياً كما ذكرنا من قبل ، مستخدماً النظام الثانى . و لكن إذا كان الأصل فى النظام الأول هو صوابية استنتاجه و الشذوذ هو الخطأ ، فمتى نعرف أننا أخطأنا ، و متى نتدخل و نبذل جهداً عقلياً و نطلق العمل للنظام الثانى ؟
الحقيقة ها هنا أن هذه العملية صعبة ، و تحتاج إلى ممارسة و ملاحظة شديدة مستمرة لتفكيرك . يقول عن ذلك دانيال كينيمان ان لكلاً منا مواقف معينة ينتج فيها تفكيره هذه الأخطاء المنهجية ، و ان لكلاً منا أخطاءاً معينة تختلف عن غيره ، يقع فيها عقله بشكل ممنهج مستمر متكرر ، يوضح دانيال كينيمان منها فى كتابه عدداً لا بأس به ، و قد ذكرنا منها اثنين فى المقال السابق ( representativeness , availability ). و ان على كلاً منا إن أراد إصلاح تلك الأخطاء ان يلاحظ تفكيره : ما هى المواقف التى يكون فيها عرضة للخطأ ؟ اين تتكرر أخطائه ؟ متى ينبغى ان يتوقف لبرهة ولا يعتمد على حدسه و يبذل الجهد و يتحكم فى نتيجة تفكيره ؟ . ثم يبدأ بالعمل على هذه المواقف فى المرات التالية و لا يدع العمل فيها للنظام الأول او لحدسه . نتائج هذه العملية ليست سريعة ، فالممارسة هى العامل الأقوى هنا ، و لن تبدأ بالتخلى عن هذه الأخطاء إلا بالعمل عليها مراراً و تكراراً ، و هذا رهن أيضاً بمعرفة الأخطاء المختلفة التى يمكن ان تقع فيها حتى يتسنى لك إدراك وجودها من أساسه و ملاحظة ايها يحدث معك ، لتبدأ بالعمل عليها و التدخل حين التفكير فى تلك المواقف لتمنع حدوث الخطأ .
كتطبيق على المثال الذى ذكرناه فى المقال السابق ، عن شخصية سارة ، الشابة التى تحب سماع الموسيقى و أغانى الفرق المستقلة الحديثة ، و تحب مشاهدة الافلام القصيرة أكثر من قراءة كتاب مثلاً ، و السؤال عن كونها مدرسة ام رسامة !
كما قلنا سابقاً ، الإجابة انها رسامة هى مجرد عملية مشابهة لنمط الرسام فى مخيلتنا ، استنتاج سريع و اوتوماتيكى معتمد على الحدس بشكل كامل . بينما عملية التفكير الأفضل ستكون بالتفكير فى مدى علاقة هذه الصفات بكونها رسامة ام مدرسة ، و نسبة المدرسات فى مقابل نسبة الشابات الاتى تعملن فى مجال الرسم . و بقليل من الجهد يمكن ان تصل إلى إستنتاج افضل بكثير . هذا هو الفارق بين تطبيق النظام الاول و النظام الثانى و قدرة النظام الثانى على تلافى بعض الأخطاء . و بممارسة هذة العملية مع اسئلة مشابهة و مواقف متكررة لوقت كافى ستكون هذه الطريقة الاولى التى يعتمدها المخ حين الحكم على وظيفة اى شخص ، و ليس على مشابهته بما لديه من أنماط .
هناك بعض الملاحظات المهمة التى ينبغى ذكرها :
– بعض العمليات مع طول الممارسة و الخبرة بها تنتقل تلقائياً من النظام الثانى إلى النظام الأول و تتم بدقة شديدة رغم سرعتها ( كما نرى فى بعض الأشخاص الذين يستطيعون أداء بعض العمليات الحسابية المعقدة بسرعة شديدة ) . العامل الاكبر هو الممارسة كما قلنا
– كون النظام الثانى نلجأ له لتلافى أخطاء النظام الأول ، هذا لا يعنى انه ليس عرضة للخطأ ، فهو نظام يدوى و صوابه من عدمه رهن بكيفية تفكيرك و صحة ما لديك من معطيات من اساسه .
– ربما يكون من الصعب عليك ملاحظة أخطائك المتكررة ، و هنا يأتى دور الأشخاص الذين يعرفونك جيداً و يتعاملون معك بشكل مقرب ، يمكنهم رصدها افضل منك

عملية تصحيح أخطاءك فعلاً خطواتها بتلك البساطة : راقب ، ابذل جهداً ، مارس عملية التفكير بشكل صحيح ، و كل هذا بشكل مستمر و فى دائرة مقفلة . خطوات بسيطة و لكن صعوبتها فى مجهودها الذهنى و فى طول وقتها ، و بقدر تركيزك و مجهودك سيتحدد وقتها.
بذل اليسير من الجهد ، بداية الحل .

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*