أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / درسٌ في “الجهل”!

درسٌ في “الجهل”!

ترجمة: نور مراد

5043785325_0c833131cd_zفي منتصف الثمانينات، اقترحت  “مارليز ويت”، أستاذ  الجراحة بجامعة أريزونا، تدريس  مقرر بعنوان  “مقدمة في الجهل الطبّي وغيره”، لكن، لم تلق فكرتها قبولًا حسنًا  آنذاك، حتى إن مسؤولًا بأحد المؤسسات التعليمية أخبرها أنه يفضّل الإستقالة على أن يدعم مقررًا دراسيًا عن ” الجهل”!

طُلب من د.ويت بعد ذلك تغيير اسم المقرر لكنها أصرّت ولم تستجب للضغوط، إذ كانت تعتقد بأن الأساتذة غالبًا مايفشلون في توضيح وتأكيد حجم ” المجهول ” حول موضوع معين، وكان مما قالته بعد عّدة سنوات موّضحة الأمر ” إن الكتب الدراسية تُفرد حوالي 8 إلى 10 صفحات عن سرطان البنكرياس، دون إخبار الطالب أبدًا أننا مازلنا لا نعلم الكثير عنه، وأن هذه الصفحات ليست كل شئ”، لذا أردات أن يُدرِك طلابها حدود المعرفة، وأن الأسئلة تستحق ذات الإهتمام الذي تلقاه الإجابات. وفي النهاية، موّلت الجمعية الطبية الأمريكية المقرر الذي يتذكره الطلاب باعتزاز تحت اسم ” الجهل 101″.

ورغم كون المقررات المماثلة لمقرر البروفيسورة ويت لا تزال نادرة، إلا أن الباحثون أكدوا مؤخرًا أن تسليط الضوء على فكرة ” عدم اليقين” وعدم الوصول للمعرفة الكاملة يمكن أن يثير الفضول الكامن لدى الطلاب، أما التأكيد على فكرة اليقين فيما نعرفه وتوصلنا إليه فقط، دون ذكر مانجهله؛ فقد يؤدي إلى فهم مشوّه للمعرفة.

وبعدذلك، في عام 2006، بدأ ستيوارت جيه فايرستاين، عالم الأعصاب في جامعة كولومبيا، تدريس مقرر عن ” الجهل العلمي” بعد أن هاله كون العديد من طلابه يعتقدون أننا نفهم كل شئ تقريبُا عن الدماغ.

كما ناقش في كتابه الصادر عام 2012 بعنوان “الجهل: كيف يقود العلم” مايعتقده بأن العديد من الحقائق العلمية ليست  بهذا الثبات والصلابة ، بل تقبل التحدي لصحتها والتنقيح والمراجعة من قبل الأجيال المتعاقبة، و يرى أن الاكتشافات العلمية ليست تلك العملية المُحكمة والخطّية التي يتخيلها الطلاب، لكنها تنطوى عادة على ما يصفه ب ” تحسس طريقك في غرف مظلمة، فتصطدم بأشياء مجهولة الهوية وذلك أثناء بحثك عن أطياف باهتة بالكاد يمكن ملاحظتها” . وسعى د.فايرستاين إلى إعادة التوازن لتصورات طلابه من خلال دعوة علماء من تخصصات مختلفة لمحاضرتهم حول ما أثار حماستهم بشكل حقيقي وهو “الغموض” المثير للانتباه والرغبة في البحث والمعرفة، لا الحقائق الثابتة الباردة.

فتقديم الجهل بصورة أقل اتساعًا مما هو عليه، و المعرفة والاكتشافات بصورة أكثر إحكامًا واستقرارًا، يؤدي بالطلاب إلى إساءة فهم طبيعة التفاعل بين الأسئلة والإجابات. فعادة ما ينظر الناس لعدم المعرفة (أو الجهل) كشئ يمكن محوه و التغلب عليه ” بالمعرفة”، إذ ببساطة يُعدّ الجهل في تعريفهم هو “غياب المعرفة” فإذا ما حضرت؛ غاب الجهل وانتهى! لكن الإجابات لايمكن اعتبارها ببساطة مجرد نهايات وحلول للأسئلة فحسب، بل دائمًا ما تحمل في طيّاتها أسئلة جديدة.

لتوضيح الأمر، يطرح مايكل سميثسون، وهو عالم اجتماعي في الجامعة الوطنية الاسترالية والذي شارك مؤخرًا في تدريس دورة على شبكة الانترنت عن ” الجهل”، هذا التشبيه:

كلما إزدادت جزيرة المعرفة نموًا، كلما ازداد الحد الفاصل- حيث تلتقي المعرفة والجهل-طولًا، فكلما تتزايد معارفنا، يتزايد معها معرفتنا بالمزيد ” مما نجهله ” عنها، فتتبادر إلى الأذهان أسئلة جديدة، والأسئلة لاتفسح المجال للأجوبة بقدر مايتكوّن كلاهما وينموان سويًا، فتوّلد الأجوبةُ أسئلةً جديدة، والفضول -تبعًا لذلك- ليس طبعًا يتسم بالبرود والجمود، بل هو شغف عقلي متجدد يُكتسب ويُرعى بلا انقطاع.

مواصِلًا التشبيه، يقول مايكل بأن رسم  حدود هذه الجزيرة من المعرفة يتطلب فهمًا لسيكولوجية الغموض. فهذا الحد الفاصل الآخذ في الازدياد، حيث تنتج الإجابات أسئلة جديدة، هو منطقة من الغموض والمعلومات المتضاربة. هذا كله ينتج حالة من عدم اليقين مثيرة للمشاعر كما يقول علماء النفس، ليس فقط مشاعر البهجة والمفاجأة، ولكن الارتباك والإحباط كذلك!

فالمنطقة الحدودية بين المعلوم والمجهول هي ذات المكان الذي يشهد صراعًا نناضل فيه لنتحدّي تصوراتنا المُسبقة حتى نستطيع الاعتراف بغريب أو شاذ المعرفة والبيانات التي نصطدم بها، ومن ثم نبدأ في استكشافها والإقرار بها، وهو النضال الذي تحدث عنه توماس كون عام 1962 في عمله الكلاسيكي ” بنية الثورات العلمية”. وهو قول يتفق مع ما أخبرني به دكتور جاري بيساتو- الاستاذ بكلية هارفرد للأعمال- حين قال ” في المقابل فإن مركز الجزيرة مريح وآمن – حيث تسكن معارفنا التي لم يمسها “عدم اليقين” وانكشاف مساحات الجهل بعد-، وهو يفسر لماذا تناضل معظم الشركات لتبتكر في مجالها، لكن عندما تسير الأمور بشكل جيد تنسحب هذه الشركات من طور التعلم، وتترك هذه الحالة من عدم اليقين وتلجأ لمركزالجزيرة”.

لا تزال دراسات الجهل – أو الأجنوتولوجي كما سماها روبرت بروكتور المتخصص في تاريخ العلم بجامعة ستانفورد- في مهدها، ولا يزال هذا المجال الناشئ مُتشظيًا غير متماسك بسبب حداثته النسبية وكذا طبيعته العابرة للتخصصات؛ لكن رغم ذلك يبقى التركيزعلى “المجهول”، وتسليط الضوء على حالات دراسية تُبرز ذلك التفاعل الدائم والمثمر بين الأسئلة والأجوبة، واستكشاف سيكولوجية الغموض؛ أمرًا ضروريًا ، وكذلك اهتمام المعلمين بتكريس بعض الوقت للإشارة إلى علاقة الجهل بالإبداع والنواتج الإيجابية لحالة “عدم اليقين” .

وختامًا، يؤكد عالمي الاجتماع “ماتياس جروس” و “لنسي ماكجوي” أن الوقت قد حان لإظهار الجهل كشئ معتاد بدلًا من كونه “انحرافا” عن الأصل، و سيصبح طلابُنا أكثر فضولًا، وبالتالي أكثر ذكاءً إذا مادرسوا نظريات الجهل بجانب الحقائق ونظريات المعرفة.

رابط المقال الأصلي:

http://www.nytimes.com/2015/08/24/opinion/the-case-for-teaching-ignorance.html?_r=0

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*