أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / صعوبات مطلوبة

صعوبات مطلوبة

مصطفى طه

 

Develop_Your_Mind

مع تطور وسائل التعلم ، و إنتشار التعلم الإلكترونى و المواد المفتوحة على شبكة الإنترنت ، و ظهور مصطلحات جديدة ف
ى تكنولوجيا التعليم ، لم يكن الحديث أهم يوماً ما عن كيفية تعلمنا كبشر . ففى النهاية ، أصبح المسئول الأول و الأخير عن عملية تعلمك هو أنت .

كيف أثرت معتقداتنا الخاطئة عن المخ و الذاكرة فى عملية التعلم ؟ و ما هو التعلم من الأصل ؟! ما الذى يجعلنا نتعلم بشكل أفضل إذن ؟ و هل الوسائل التى نتعلم بها منذ صغرنا حتى الآن مجدية ؟ أسئلة كهذه و غيرها هى ما إنشغل به باحثوا علم النفس أمثال جون دنلوكسى و روبرت يورك و غيرهم ، ليصلوا إلى نتائج من شأنها الوصول بعملية التعلم إلى أفضل نتائج ممكنة .

كيف تعمل الذاكرة :

نعتقد كبشر – خطئاً – أن الذاكرة تعمل ككاميرا و مسجل صوت ، يمكن الولوج إلى ملفاتها و مشاهدة ما سجلته بالضغط على زر التشغيل . و هذا ما يجعلنا نعيد قراءة ما قرأناه مرة أخرى ، و يجعلنا نقوم بتسجيل كل كلمة أثناء المحاضرات . فى الحقيقة فإن هذا المعتقد خاطىء تماماً ، فقد أثبتت أبحاث باحثين كثر – من أبرزهم إليزابيث لوفتوس ، أستاذة علم النفس المعرفى و خبيرة الذاكرة – بأن الذاكرة البشرية متغيرة ، تعيد تشكيل مكوناتها و تغيرها مع كل ذاكرة جديدة ، و أن الذكريات يصبح تذكرها أسهل مع تكرار استرجاعها ، و فى المقابل الذكريات المهملة التى لا نحاول استرجاعها تخفت و تُنسَى .

من المعتقدات الخاطئة جداً أيضاً هو ذلك المعتقد أن الذاكرة لديها مساحة ما ، عند إمتلاء هذه المساحة فلا يمكننا تعلم المزيد . ألا تتذكر هذا التعبير الدارج ” دماغى اتملت ” الذى نقوله أثناء المذاكرة ؟
ليست هذه حقيقة الذاكرة ، فى الحقيقة فإن الذاكرة عند تعاملها مع المعلومات – بشرط التعلم بشكل صحيح – تقوم بربط كل معلومة بسابقتها من المعلومات المتعلقة بها او بمجالها ، عملية الربط هذه تنتج مساحات أخرى فى الذاكرة ، و بهذه الطريقة ، كلما تعلمت أكثر ، أصبحت لذاكرتك مساحة أكبر ، و أصبحت قدرتك على التعلم أكبر ! و هذا كما نقول بشرط أن تكون عملية التعلم تتم بشكل صحيح كما سنرى ، و أن تتم هذه العملية من ربط المعلومات ببعضها .

الخلط بين عملية التعلم و بين الأداء أثناء التعلم :

ربما تكون من أكثر المشكلات التى تؤثر على عملية التعلم ، و تجعلنا نتعلم بشكل سىء ، هو ذلك الخلط الحادث بين التعلم و بين فكرة الأداء . نميل كبشر إلى تقدير هذه السهولة الوهمية فى إستقبال المعلومة أثناء تعلمها كدليل على تعلمنا لها ، و هذا يجعلنا نقيم جودة تعلمنا بشكل خاطىء ، فما هو الفرق بين التعلم و بين الأداء ؟

الأداء هو ما نستطيع ملاحظته و قياسه أثناء عملية التعلم . و لهذا ، فإن تذكرك لمعلومة ما أثناء تعلمك لها ، أو ذلك الإحساس الوهمى بأنك قد فهمتها و تستطيع شرحها و أنت ما زلت فى عملية تعلمك لها ، هو مجرد دليل على جودة أدائك الحالى فيما يخص تلك المعلومة .
بينما التعلم هو التغير الدائم الذى يطرأ على الفهم و المعرفة فيما يتعلق بما تحاول تعلمه . و نعنى بالتغير الدائم هو تذكرك لما تعلمته لفترات طويلة ، و قدرتك على وضع ما تعلمته فى تطبيقات عملية أو إستحضار أمثلة أخرى لم تتعرض لها و إسقاط ما تعلمته على حياتك اليومية . أو كما يقول أينشتاين ” التعليم هو ما يبقى بعدما تنسى ما تعلمته أثناء المدرسة ”

هذه العملية ، و هذه التغيرات الدائمة ، هل يمكن أن تحدث بدون ظهور أى تغير فى أدائنا الحالى ؟ نعم ، هذا حقيقى ، و بالمثل يمكن أن تحدث تغيرات فى أدائك الحالى فيما تتعلمه بدون أن تكون قد تعلمته بالفعل .

هذا الخلط يجعلنا نتعلم بشكل أسوأ ، لانه يجعلنا نفضل ظروفاً فى بيئة التعلم تدعم أدائنا الحالى ، و بعض هذه الظروف تؤثر فى جودة عملية التعلم نفسها كعملية دائمة .

كيف نتعلم بشكل أفضل :

من المذهل أن نعرف أن معظم الوسائل التى نتبعها جميعاً أثناء تعلمنا لا تفيدنا بشىء ، بل تدمر أساس عملية التعلم و تقلل قدراتنا على التفكير و الإدراك ، وسائل كقراءة ما ذاكرناه مرة أخرى مثلاً لا تفيد عملة التعلم بأى شىء . فقط تعزز نتيجتنا فى الإمتحان فى اليوم التالى ، لكن ليس هذا ما ننشده . ربما أفضل ما يمكن ذكره فى هذا المجال هو ما يعرفه الباحث روبرت يورك – أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا – بالصعوبات المرغوب فيها أو desirable difficulties . يقدم روبرت يورك هذا المصطلح ليعرفنا ببعض الإستراتيجيات الهامة أثناء عملية التعلم ، إستراتيجيات من شأنها تعزيز هذه التغيرات الدائمة ، و تسهيل هذه العملية من ربط المعلومات ببعضها على الذاكرة . و هى صعوبات لكونها تتطلب مجهوداً ذهنياً أكبر من غيرها ، و لكنها مرغوب فيها لأثرها الدائم .

من هذه الصعوبات المرغوب فيها :

  • تغيير الظروف التى تتم فيها عملية التعلم :
    ربما تجد الأمر غير منطقى ، و لكن من العوامل المهمة تغيير البيئة التى تتم فيها عملية التعلم. عندما تتم عملية التعلم فى ظروف ثابتة و متوقعة ، فإن العملية ترتبط بهذا الإطار و تلك الظروف . و بالتالى يسهل عليك تذكر ما تعلمته طالما كنت داخل ذلك الإطار ، بينما يصبح ذلك صعباً فى ظروف أخرى و فى وقت آخر . و لهذا فإنه من الجيد تغيير بيئة التعلم من وقت لآخر و الظروف التى تتعلم فيها. كمثال على ذلك تعلم نفس المادة فى غرفتين مختلفتين ، بدلاً من دراستها مرتين فى نفس الغرفة .
    يتضح ذلك من دراسة للباحثين روبرت كيرر و برنارد بووث عام 1978 بجامعة أوتاوا ( kerr & booth , 1978 ) حيث طلبا من مجموعة من الأطفال التدرب على رمى أكياس من الفول على هدف مرسوم على الأرض بينما يتم ربط عصابة على أعينهم ، و تم تقسيم الأطفال لمجموعتين ، مجموعة منهما تدربت على رمى الأكياس على هدف على مسافة ثابتة ، و الأخرى تدربت على أهداف مختلفة المسافة . بعد إنتهاء التدريبات طلب من مجموعتى الأطفال رمى أكياس الفول على نفس المسافة الثابتة التى تدربت عليها المجموعة الأولى . من الطبيعى أن نظن جميعاً ان المجموعة الأولى ستصيب الهدف بشكل أفضل ، و لكن العكس هو ما حدث ، فحقيقة ان المجموعة الثانية تدربت على رمى أكياس الفول على أهداف بمسافات متغيرة مع كل رمية جعلتها تتعلم رمى الأكياس بشكل أفضل أياً كانت المسافة .
  • تقسيم ما تتعلمه على جلسات :
    إذا أردت تعلم شىء ما ، قسمه إلى جلسات مختلفة ، هذا يضمن لك تذكره لمدة أطول و تعلمه بشكل أفضل . و بينما سيعارض البعض بأن دراسة المنهج كاملاً ليلة الإمتحان لطالما كان له نتائج جيدة فيما بعد ، إلا أنه من الضرورى التذكر أننا نتحدث هنا عن التعلم ، و عن التغيرات الدائمة ، و ليس عن إمتحاناً تخوضه لتنسى بعدها ما تعلمته فهذا ليس تعلماً من الأساس .
  • التداخل بين الأشياء التى تتعلمها :
    من المهم جدا فى عملية التعلم أن تحرص على التداخل بين جلساتك فى تعلم الأشياء المختلفة ، و لا تمضى وقتا طويلا فى يومك تتعلم شيئاً واحداً . يتضح ذلك من دراسة ل كورنيل و يورك عام 2008 ( kornell & Bjork , 2008 ) . حيث طلبا من المشاركين تعلم النمط الخاص ب 12 فنان بدراسة 6 لوحات لكل فنان ، مجموعة منها تدرس لوحات كل فنان كاملة قبل أن تنتقل لدراسة لوحات الآخر ، و المجموعة الأخرى تدرس اللوحات جميعاً لكل الفنانين بشكل متداخل . و كانت النتيجة أن المجموعة الثانية نجحت بشكل افضل بعد ذلك فى التعرف على الفنان المسئول عن مجموعة من اللوحات جديدة عرضت عليهم .
    لماذا ينتج التداخل ذلك التأثير ؟ فى الحقيقة هناك تفسيران لذلك . الأول يقول بأن المخ يضطر حينها لفض ذلك التداخل بين المواد المختلفة ، و بالتالى يلاحظ بشكل مستمر التشابهات و الإختلافات بينها ، مما يسهل عملية ربط المعلومات ببعضها ، و هو ما تحدثنا عنه فى البداية ، و بالتالى يسهل تذكرها و نقلها . و التفسير الثانى هو أن التداخل بين المواد التى نتعلمها يجعل الذاكرة تعيد تحميل ما تعلمته عن المادة فى كل مرة تعود إليها ، فإذا كنت تتعلم ( أ ) ثم ( ب ) ثم ( ج ) ثم تعود ل ( أ ) فإن الذاكرة تعيد تحميل ما تعرفه عن ( أ ) حتى تستكمل عملية التعلم ، بينما لو تعلمت ( أ ) ثم ( أ ) فإن هذه العملية لن تحدث .
  • أعادة توليد المعلومة :
    كما يحدث فى الإختبارات و الإمتحانات مثلا ، فربما يجب أن نعيد النظر فى رؤيتنا للإمتحان كأسلوب تقييم و النظر إليه كوسيلة تعلم فى حد ذاته . هناك فائدتان مهمتان طبقاً للدراسات لقيامك أنت بإعادة إنتاج المعلومة من ذاكرتك ، فهى أولاً تساعدك على معرفة فعلاً إن كنت فهمت و تدرك ما تعلمته أم لا من خلال محاولتك فى شرح و إنتاج المعلومة ، و ثانياً تسهل عملية تذكر المعلومة لمدة أطول و فهمها بشكل أفضل ، لأننا كما قلنا فى البداية فإن الذاكرة البشرية ديناميكية ، كلما تذكرت شيئاً كان تذكره أسهل فى المرات التالية .
    هذه الفكرة فى الإختبار و إنتاج المعلومة هى مثال لمبدأ اكبر ، و هى مبدأ الفاعلية فى عملية التعلم ، و هذا يتضمن التفكير فى أمثلة عملية على ما درسته ، أو إسقاط ما تتعلمه على واقعك و يومك ، أى نشاط من شأنه أن يجعلك تحاول إنتاج المعلومة فى شكل مختلف .
    و هذا بدلاً من قراءة ما درست مرة أخرى ، فالتعرض المسبق للمادة التى تتعلمها يجعلك حين تقرأها مرة أخرى تشعر بالألفة و الإعتياد اللذان يخطىء العقل فى إعتبارهما دليلاً على الفهم .

 

التعلم مهارة بقاء ، و إن أردنا ان نبقى ، فعلينا كبداية أن نتعلم كيف نتعلم .

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. راائع جداً هذا الطرح ، و يستحقّ الوقوف طويلاً ،
    هو في الحقيقة أكثر ما ينبغي أن يشغل تفكيرنا في العالم الثالث في هذه الظروف ،
    أعاننا الله على صعوبات التعلّم والتعليم
    شكراً جزيلاً

  2. Great Post. Thanks for sharing.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*