أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / هبوطاً من رحِم الحياة

هبوطاً من رحِم الحياة

محمد عبد الحميد

Freedom1

دائماً ما كان الوجود الإنساني في هبوطه الدنيوي يمثل عِبئاً عليه، فاقترنت فكرة وجوده كثيراً بالشقاء والمعاناة بتعدد أشكالها وإختلاف درجاتها، بصرف النظر عن أي درجة من الراحة أو الرفاهية يتمتع بها أو حتى التصنيفات البشرية من عرق ولون وغير ذلك مما يحاول أن يميز به نفسه وغيره محاولاً إكتساب مميزات إضافية تساعده على إيجاد أشكال مختلفة للسعادة، ففكرة كالتصنيف نفسها تجعل الإنسان دائم البحث عن مميزات مادية أو معنوية غريزية كانت أم مكتسبة. لكن سواء كانت هذه التصنيفات جماعية أم فردية تكون جميعها سطحية، فالشعور بالسعادة مختلف من شخص لأخر، فكل إنسان يمثل عالماً وكوناً بمفرده، ومكونات النفس دائما ما كانت سر غامض في جميع المراحل التاريخية مثلها مثل الكون الذي اختُلِف على محدوديته أو لانهائيته.

فهل يمثل ذلك الوجود هبوطاً بالفعل من سعادة الى شقاء أم إرتقائاً وتعظيماً من شأن الإنسان بتفرده بفكرة المعاناة والتحديات البشرية، هل تمثل هذه الدنيا المنبع الأصلي للإنسان حتى يتمنى ويسعى بكل الطرق إلى إيجاد أنواع مختلفة وقصوى للرفاهية يمكن أن يصل إليها، وهل سعادته بإنتمائه الوحيد إليها، أم إنتمائه يكون لشيء أخر مختلف عن مكوناته المادية.

يوجد العديد من الأفكار التي بحثت في ذلك المعنى، كالوجودية وهي إعتبار كل ما هو موجود هو فقط الحقيقة ولا شيء أخر، ينتج عن هذا الفكر غالباً فكرة التحدي والصراع للحصول على مايمكن حصوله من موجود، فما هو موجود الأن أصبح محور كل شي والصراع يصبح أمر تقريباً طبيعي، ففكرة الغابة ستكون مسيطرة بشكل أو بأخر وبإختلاف النسب، فهذه النظرة تعمل في ظل تجاهل الروح والمشاعر وكل ما لا يُدرَك بالحواس أو بشكل مادي، فهي في هذه الفكرة أشياء نفسها غير موجودة فلا يكون الإعتراف بها إذن وحتى وإن حدث إعتراف بها وكانت الفكرة المسيطرة هي الفكرة المادية ستكون تلك الأشياء مهمشة القيمة في ظل التمجيد والسعي إلى كل ما هو موجود وجود دنيوي، وقد عبر عن ذلك كافكا وكامو وغيرهم ودائماً ما كانت الفكرة المسيطرة فكرة المعاناة والهبوط الدنيوي في ظل وجود شيء أخر غامض، فلماذا توجد تلك المعاناة هل سعياً في سعادة دنيوية أخرى أم سعياً الى إكتشاف شيء أخر متفوق على ذلك ولاموجود ودائماً ما سعى اليه الإنسان بصرف النظر عن مايميزه من كل أشكال التمييز الدنيوية، وسواء أدرك سعيه ذلك أم لا، ويقوم هذا الشيء بإنتاج هذه المعاناة سواء تجاهلها الإنسان أم لا.

ومن الزاوية العقائدية بِدئاً من الأساطير اليونانية وربما من قبل ذلك إلى الأن، فلم يكن في أساطير مثل كاساندرا ونركسوس وبرويثيوس وسيزيف المثال للإنسان أو (الإله) السعيد بل في أساطيرهم العديد من صور المعاناة، فالإغريق كثيراً ما اعتمدوا على خصوبة الخيال فدائماً ما شعروا بأن كل شيء مرتبط بألهة وعالم أخر، ودائماً كانت فكرة المعاناة أيضاً بسبب العشق أو الإنتقام أو غيره مسيطرة، وأيضا سقراط وأفلاطون وأرسطو الباحثين عن الحقيقة والعدل على هذا الجزء من الزمان والمكان، فقد إستنتجوا وجود خلل ما وحاولا إصلاحه وكانت المعاناة جزء لا يستهان به من رحلتهم الإصلاحية والتفسيرية. وفي الحضارة الرومانية لم يكن كاليجولا وهيباتيا بمنأى عن هذه المعاناة، فكاليجولا الإمبراطور الروماني الظالم لم يجد السعادة برغم ما كان يتمتع به، وفيثاغورث وهيباتيا باحثي الحقيقة واجها المتاعب والمشاق، فقتُلت هيباتيا في أخر الأمر في مصير مأساوي معبِراً عن معاناة الإنسان المتفلسف الباحث عن الحقيقة وماواراء الوجود. الأنبياء والأديان السماوية والمعاناة المعروفة، كذلك المصلحين وأشهر شخصيات التاريخ الإصلاحية والمعاناة الإستثنائية أيضاً بسعيهم المستمر الى القيم والمباديء اللادنيوية، فكل هؤلاء ربما نموذج لمعاناة إنسانية أكبر من معاناة لكثير من الناس يواجهون معاناة أقل أو بشكل ونسب مختلفة ومتفاوتة، فهل بوجود ذلك الشيء اللادنيوي في كل إنسان والذي يقوده بشكل إختياري أو جبري الى شقاء البحث عن الحقيقة سواء وعى ذلك أم لم يعي أو سواء قرر تفعيل هذا الجزء منه أم لا، فهل بالفعل كلما زاد وعي الإنسان زادت معاناته كما يقول دوستويفسكي.

“من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت”

(سفر التكوين : أصحاح 2) العهد القديم.

كان أدم في جنة الخُلد بعيداً عن كل هذه المخاطر، ربما لم يكن وجوده في الأرض أو كان بها بشكل غير الذي نعرفه عليها، وربما أيضاً كان بشكل لا مادي أو مادي بضوابط، ربما أكل من شجرة معرفة الخير والشر وأصبح يعاني بمعرفتهما وربما يسير على نهجه ويواجه مصيره كل من يأكل من تلك الشجرة، وربما ترمز هذه البداية الى الجنين الذي  كان يعيش أو يتكون في رحِم أمه بسلام بعيداً عن الحياة أو ربما الموت، فربما يكون ذلك هو الموت، يقال أن لحظات الميلاد والهبوط من الرحِم إلى الأرض هي أصعب اللحظات وليس الموت بعكس مايعتقد الكثير، والمبرر هو النسيان وعدم التذكر، فنحن أيضاً لا نتذكر مابعد هذه اللحظات بفترات قريبة من لحظات سعادة أو شقاء، فلماذا لا يكون الأمر كذلك ولماذا لاتكون لحظة فصل الثمرة عن الشجرة أصعب من لحظة ذبولها.

ففي شكل أخر وفي عالم لا بشري، ربما للبحث عن شبيه للفكرة أو للبحث عن أصلها فبذرة الأرض وجنين الحيوان والطير كانا في منأى وسلام قبل الخروج إلى هذا العالم الدنيوي، فتتعرض النباتات والثمرات بمجرد قطفها أو إهمالها للهلاك أو التدمير والفناء، وتتعرض ضعاف الحيوانات والطير والحشرات بمجرد خروجهم الى الدنيا للعديد من المخاطر فحياة الغابة ليست ببعيدة عن الحياة الإنسانية بدون ضوابط وقيم لادنيوية. فهل بذلك يكون المكان الأسعد والأمثل للثمرة على الشجرة بلا قطف كالريشة في الطائر بلا إنفصال.

يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد:4).

في الأية الأولى تعبيراً عن إختيار الإنسان للقيام بمهمة مؤقتة بحمله لهذه الأمانة، وإشارة الى المعاناة التي سيلقاها الإنسان بقبوله لهذه المهمة حيث رفض السماوات والأرض لهذه المهمة الشاقة والتي قبلها الإنسان الذي كان ظلوماً جهولاً لجهله بما يترتب على حمل هذه الرسالة وأيضاً لظلمه لنفسه بتحملها، وفي الثانية تفسير كثير من العلماء أنها إشارة مباشرة للمعاناة والمكابدة للمصير الإنساني في ذلك الهبوط. فهل يكون موته بحمله للأمانة كإختبار له ثم عودته للحياة مرة أخرى بحسب عمله وإلتزامه بالوحي وحملها بما يجب عليه أن تكون، وإنتقاله لجنة نتيجة نجاحه في المهمة أو نار لفشله، وكلاهما حياتين وإستمراراً لحياة كانت هي الأصل لا موت وفناء.

فما هو الموت في حقيقة الأمر؟

يقول الشاعر “فالعيش نوم والمنية يقظة”، فهل ما نحن فيه من نوم بسعادة وشقاء مؤقتين في إنتظار اليقظة والإنتهاء من تلك المرحلة للعودة إلى اللانهائي أياً كانت القناعة به، فيكون الموت بذلك مجرد إختبار للرجوع الى الرحِم أو السماء لتحديد شكل البقاء الأبدي ومرحلة نسعى لتجاوزها بالطريقة السليمة؟!

وتكون أيضاً رحلة المعاناة الدنيوية هي ذلك البلاء عن حياة سابقة كان فيها ذنب أدمي نشترك جميعاً في التطهر منه؟!

فهل مكاننا الأمثل كان في الرحِم كأجِنة وفي سعادة ماقبل الهبوط التي لم نعرف فيها الخير أو الشر، وأن يكون ذلك الهبوط هو الموت كما هبط أدم من نعيم الجنة الى شقاء الدنيا؟!

ربما إذن مكاننا الأمثل وحياتنا هي سمائية في الأصل أو لامادية ومانحن فيه مجرد موت مؤقت لسبب أو لأخر، فدائماً مايبحث الإنسان عن سعادة لانهائية لا يجدها في رحلة هبوطه، فمن أين يأتي إذن هذا الشعور بوجود هذا النوع من السعادة. أياً كانت القناعة بالأمر وأسبابه فبحرية الإختيار الإنساني لمعنى وجوده يتم تكوين معالم طريقه في هذا البقاء المؤقت، وبإختلاف وتعدد الإختيار وتعدد النسب وإنعدام التطابق في كل شيء طبيعي على الأرض يكمن معنى عظيم يشير الى مُبدِع وراء كل موجود ولاموجود.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*