أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / خطاب الإنسان العربي

خطاب الإنسان العربي

كتبه: محمد يحي
في أزمنة التحولات الكبري تتغير كثير من المسلمات التي يتكأ الإنسان عليها كجزء من نظرته للحياه و عدساته التي من خلالها يري العالم و يفكر فيه. إذا ركزنا علي الإنسان العربي الذي يعيش في هذه المنطقة الجغرافية المشتعلة و ما تمر به من تغيرات جذرية و ما تبعها من انهيارات ضخمة خصوصا في الست سنوات الأخيرة مع إندلاع ثورات الربيع العربي سنجد أن كثير من مسلماته (إن لم يكن معظهما) تتداعي أمام عينيه بسرعة مذهلة و لا يكاد يجد سرديات جديدة لتحل ملحلها.

أخطر ما يهدده حاليا هي تغير الخطابات التي كانت يعيش في كنفها و كانت تكسبه نوع من الطمأنينة بغض النظر عن حقيقتها من عدمها أهمها -في رأيي- أربع خطابات رئيسية تربي عليها و شكلت جانب كبير من وجدانه و تركيبته النفسية و العقلية:
١∙ الخطاب القومي الضيق: تحول خطاب الأنظمة الحاكمة إلي خطاب الحد الأدني و هو خطاب يتمحور علي ضرورة البقاء و تخويف المواطن من تبعات أنهيارها عليه. حتي متطلبات الطبقات الدنيا التي كان الحكام يغازلون بها شعوبهم بدون أي فعل حقيقي أصبحت تحتل مستوي ثالث أو رابع في الذكر و الأهمية. حتي الآلة الأعلامية الرسمية للأنظمة أصبحت تناوئها قنوات أخري و مواقع التواصل الأجتماعي. فظهر لكل حدث أكثر من ثلاثة تفسيرات أمام عينيه.
٢∙الخطاب القومي العربي: اختفاء تام لموضوع القومية العربية و خطابها التعبوي من المشهد و ظهور أشكال جديدة و غريبة من التقارب مع أعداء القومية التي طالما تغنت بها الأنظمة ما بين عداء صريح إلي خطابات ممانعة، ليري لأول مرة تقارب علني مع إسرائيل و إيران و روسيا و أمريكا و أوروبا. و ظهور مصطلحات جديدة خافتة مثل الشراكة الأقتصادية و التحالف و ما إلي ذلك.
٣∙الخطاب الديني: انهيار تام للخطاب الديني بكل أشكاله و صاحبه اختفاء الثقة في رموزه جراء عدم مقدرة خطاباتهم علي تفسير التغيرات الضخمة الحادثة أمام عينيه. فتخصص الدعاه الجدد في التنمية البشرية و اهتموا بالكاميرات و التواجد في ساحات التواصل الاجتماعي, بينما ذهب خطباء الدين “الرسمي” للدفاع المباشر عن الأنظمة و شرعنه كل ما تفعله الأنظمة في شكل لم يتعود عليه المواطن البسيط.
استمر الخطاب السلفي في مواضيعه الفقهية القديمة مصحوب بالشكل القديم من لوم الناس علي ذنوب اقترفوها و أدت الي كل ما يعيشونه حاليا من معاناه. حتي الخطاب الديني المعارض أصبح يتناول الأحداث بطريقة ثورية أكثر مما يجب أفقدته رصانته و مصداقيته عند شريحة لا بأس بها. خطاب أخر ظهر حديثا و جذب انتباهه و هو الخطاب الجهادي الداعشي, لكنه للأسف وجد انه خطاب عدائي عنيف مهتم بالقتل أكثر من أهتمامه بمخاطابته من الأساس.
٤∙الخطاب الغربي: انضوت جاذبية الخطاب الغربي و قيمه التي طالما جذبت كثير من العرب و جعلتهم يتبنونها بعد وصول اليمين المتطرف لمواقع أتخاذ القرار. فلأول مرة يسمع العربي مهاجمة الساسة الغربيين له صراحة مع مساندة أعلامية و تهليل شرائح معتبرة من مجتماعتهم لخطاب عنصري عنيف ضد الآخر, أصبح هو هدفه المباشر.
الخطابات التي تحولت أو تبدلت أو أختفت جعلت الأنسان العربي في حالة تشتت و حيرة كبيرة فهو لا يجد خطاب واحد من حوله متماسك يستطيع تبنيه . قد يؤدي هذا الوضع الخطابي أما الي استفاقة تجعله يبحث بنفسه عن مصادر بديله لينسج منها التفسير الذي يحتاجه للبقاء و الفهم أو سيظل في حاله من التشظي الفكري و التأرجح بين التفسيرات قصيرة الأمد التي تتغير علي حسب الأحداث.

Print Friendly

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*