أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / أسئلة متكررة حول القراءة والبناء الفكري

أسئلة متكررة حول القراءة والبناء الفكري

0

هبة عبد الجواد

منذ سنوات طويلة كان اهتمام الشباب بقراءة الكتب والمراجع التي تتسم بالدسامة المعرفية نادرًا في مقابل مطالعة الأخبار الخفيفة والمجلات والكتب ذات الوزن المعرفي الخفيف ككتب التنمية البشرية والدينية والغرائب والعجائب، إلا أن  التحولات الكبرى التي تمر بها المنطقة ومع غياب خبراء في فهم الواقع واستشراف المستقبل لديهم القدرة على إقناع الشباب بما لديهم من علم دون أن تكسر هيبتهم الأيام بسبب تناقضت أفعالهم وأقوالهم ثم قلة عدد الأساتذة المتفرغين للتوعية والتثقيف ومع الإرهاب الفكري في عصور الاستبداد كل هذا وغيره دفعهم إلى القراءة كبديل أساسي فاتجهوا إلى  كتب التاريخ وحضارات الأمم وأسباب نهوضها وانحدارها والبحث عن معلومات تفيد في فهم توازانات القوى وتوزيع ثروات العالم وفهم طبيعة المجتمعات والثورات ومآلاتها.

إلا أن القراءة إن تحولت إلى هدف فقدت فائدتها، وربما أخرجت لنا أدمغة تختزن الأفكار والمعلومات وتكدسها ويكون حجم أخذ الإنسان المعرفي متضخمًا في مقابل عطائه وسلوكه وأقواله وأفعاله  هذا غير بعض السمات التي تحدث عنها مالك بن نبي وبيجوفتش وطه عبد الرحمن وغيرهم عندما تناولوا بعض خصائص العصر وأهمها ” الذاتانية ” و” التعالم ” فالأولى تصنع ذاتًا للفرد يشعر بنفسه وتضخم حول ذاته، والثانية هي تعاليه على الناس بسبب علمه وتفاخره به والولوج في الجدل من أجل الجدل ليس من أجل التعلم.

القراءة والتعلم الذاتي :

فارق كبير بين عملية حشو الأدمغة وبين دافع التعلم، فالأول بمثابة الخزانة التي تحوي معلومات يستطيع أن يتبارى بها مع أقرانه أو ستعتبر مجرد قراءة من نفس نوع الدراسة النظامية التي يكدس فيها الإنسان المعلومات في عقله وفقط.
أما من لديه دافع التعلم فستجد ما قد استقر في دماغه قد تحول إلى فكر أي استراتيجية لعقله تراها في سلوكه فتصبح ثقافة أي خصائصه وشخصيته متمثلة في أقواله وأفعاله وتجاربه التي يحاول بها دائمًا تطوير ذاته واتخاذ قراراته وتقويمها.

القراءة وسيلة عصر المصادر المفتوحة

من مصادر التوعية والتثقيف ما تقوم به المبادرات والمشروعات الثقافية من محاضرات ودورات وندوات ومؤتمرات، وهذه بمثابة دق الأبواب وفتح الأذهان نحو مجالات مختلفة وإثارة موضوعات للنقد والبحث.

ثم تأتي الأكاديميات والمعاهد التي تقدم دبلومات أو مدارسات ممنهجة وهذه متوفرة بشكل محدود نوعًا ما، وبعضها متوفر كدراسة عبر الإنترنت، إلا أن القراءة بدافع التعلم الذاتي[1] التي يضعها الطالب لنفسه كمنهج دراسي ربما يكون لها الأثر والنفع الكبير بل وأيسر له من حيث الوقت والجهد والمال.

كيف تتعامل مع معلومات الكتاب وآراء الكاتب؟

كتب علم الاجتماع من الكتب التي يجب قراءتها قراءة نقدية وقراءة يتحقق فيها القارئ من البدايات والمآلات أو المقدمات والنتائج، فما كان صالحًا في عصر لا يصلح في عصر وطباع البشر والمجتمعات تختلف، وأدوات العصر وتكوينات المجتمعات أيضا تختلف من عصر إلى عصر، إلا أن هناك مشترك إنساني في كل عصور يمكن أن يلمسه القارئ.

لذا من المهم عند قراءة كتب علم الاجتماع والسياسة والتاريخ خصوصًا:

  • قراءة مقدمة الكتاب.
  • ومقدمة الناشر.
  • والبحث حول ما يسمى قصة الكتاب وسياقه التاريخي.

وذلك للتعرف على شخصية المؤلف مما يساعد على فهم مقصده وآراءه جيدًا وخاصة  عند تفسير دوافع أي صراع أو مآلاته أو تفسير المؤامرت الاقتصادية والسياسية أو نقد مفكر ما أو قائد سياسي معين.

تتسم كتب التاريخ الإسلامي الحديثة بالكثير من الإسقاطات التي تعبر عن خلفية الكاتب الفكرية بل وأحيانًا يتم عنونة المواقف التاريخية  بعنوان تعبر عن قراءة الكاتب وما يود أن يستخلصه القارئ مما كتب، لذا لا بأس من قراءة أي كتاب في التاريخ من باب الإطلاع مع الأخذ في الاعتبار النقطة السابقة ومحاولة القراءة لأكثر من مؤلف، أما في حالة التخصص فيُفضل استشارة متخصصين ومؤرخين للوقوف على حقائق تاريخية وليس استدعاءات واجتزاء للمواقف.

أيضاً فيما يتعلق بكتب العلوم الشرعية هناك فارق بين كتب الفكر الإسلامي التي تعالج قضايا معاصرة من منظور إسلامي أو تعالج موضوعات التجديد والاجتهاد وتتناول بالنقد والتفكيك والمراجعة الأطروحات المختلفة وتحاول أن تؤصل من منظور إسلامي في بعض المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية منها وبين كتب العلوم الشرعية التي يجب أن يتم استشارة متخصصين فيها والتعرف على مدارس هذه العلوم كي يكون المرء على دراية بموقع كل كتاب من كل علم ومن كل مدرسة.

المراجع والكتب الأجنبية أغلب كتابها من ديانات مختلفة بل وكثير منهم لا يؤمن بوجود إله والتعامل مع آرائهم يكون بالمنطق وتحليل الرأي وبالتحقق من المعلومة التاريخية أو العلمية أو الفنية وليس بالوقوف على خلفيته التي يعرفها القارئ من البداية أثناء اطلاعه على شخصية الكاتب وخلفيته الفكرية والدينية، والتي سيتسق معها في كتابته وألفاظه ومصطلحاته.

لفائدة أوسع وإثراء معرفي:

  • من الأساليب الفنية  التي تساعد القارئ على الإلمام بما تحويه دفتي أي كتاب: فتح ملف من الملفات المستخدمة أون لاين ( مثل مستندات جوجل أو ما شابه لتيسير الدخول عليها في أي وقت ) يتم جدولته كما هو موضح في الجداول بالأسفل (لاحظ الأشكال 1-2-3) وفائدة هذه الطريقة هي تنظيم المعلومات وسهولة العودة إليها في حال حاجته، كما أنها أيضًا تقوم بإثراء مفتاحيات القارئ؛ فعند قراءة كل كتاب يزيد عند القارئ عدد المصطلحات الجديدة والأعلام أي الشخصيات المؤثرة تاريخًا من مفكرين وفلاسفة وقادة رأي وساسة ومقاربات ونظريات  يتعرف فقط على اسمها وربما يثيره البحث عن تفاصيل أخرى فيسهل عليه هذا الأسلوب حصر ما يود العودة إليه بل ربما يكون بمثابة طريقة من طرق تحديد ما يود قراءته مستقبلاً.

 

1 2 3

 

  • استخدام موقع good readers   والتمييز بين آراء الأصدقاء حول أي كتاب ينوي قراءته وبين أهمية الكتاب فأحيانًا الآراء تكون نابعة من نمط شخصية القارئ وعدم ميله لنوع معين من الكتب أو لاهتمامات مختلفة ولكن بشكل عام التعليقات هامة والدخول في مجتمع القراء مفيد.
  • فتح ملف word  لكل كتاب يتم قراءته ووضع أهم الا قتباسات  التي تأثرت بها أو مهتم بالبحث حولها أو كأنه تلخيص سريع يمكن العودة إليه مرة أخرى.

الكتب الإلكترونية:

يختلف القراء في ميلهم نحو القراءة الإلكترونية أو من الكتب المطبوعة ومهما زادت عدد الكتب الإلكترونية إلا أن الكتاب الورقي مازال محتفظًا بقيمته المعنوية لدى القراء، هذا بالإضافة إلى الشعور والعلاقة التي تنمو بين الشخص وكتابه، وأيضًا من الناحية الصحية يعتبر الكتاب الورقي أفضل بكثير من الكتاب الإلكتروني.

يتم تداول الكثير من الكتب المصورة بدون استئذان المؤلف ودار النشر وهذه المسألة أثيرت كثيرًا والبعض بحث فيها من الناحية الفقهية، إلا أن المرء المتطلع إلى العلم بدافع حقيقي فأميل إلى ترك ذلك لضميره الذي يستطيع به أن يميز متى يقرأ كتابًا مرفوعًا بدون إذن ناشره ومتى لا يكون من حقه.
الضرورة مع المراجع القديمة غير المتوفرة أو الكتب التي تم طباعتها أكثر من مرة وتم رفع نسخة إلكترونية منها لا يضير صاحبها أو إمكانية الشراء وعدم استسهال امتلاك الكتب الإلكترونية وتداولها بلا داعي وتشجيع الدور القيمة بشراء منتجاتها وغيرها من العوامل التي تُترك للشخص نفسه ويمكن الرجوع لأهل الاختصاص في حقوق النشر لمعرفة إجابة شافية في ذلك.

مع بدايات القراءة:

إذا لم يكن لك اهتمام قد حددته لنفسك أو لم تتبينه بعد، فلا بأس من القراءة العشوائية في المجالات المختلفة وهذا ليس تضييعًا للوقت أو هدرًا لجهد، فكل كلمة تقرؤها ستعود عليك بالنفع فهو:

  • إما موضوع عرفت عدم أهميته بالنسبة لك فستكتفي منه بما قرأت أو تؤجله أو سيظهر لك ميلاً له يساعدك في اختيار القراءات في المستقبل.
  • أو أسلوب كتابة أدركت أنه يناسبك أو لا يناسبك فسيسهل عليك بعد ذلك اختيار نوع الكتب بل والمؤلف أيضًا.
  • أو ستتعرف شيئاً فشيئًا على المجال الذي وجدت فيك ميلاً له، ومن ثم مع الوقت ومع مزيد من الإطلاع يبدأ التخصص أو مجال الاهتمام في الظهور ويتم تحديده أكثر فأكثر.

وهناك ما يعتبر من الخلفيات المعرفية الأساسية وهي:

  1. ما يتعلق بأدوات للفهم وتكوين الرأي لتعين المرء على اتخاذ قرارته وتحديد اختياراته وتشكيل وعيه دون أن يذهب نحو التقليد والقولبه دون أن يشعر وفي هذا المجال الكثير من الكتب يمكن الرجوع إلى القائمة أدناه.
  2. ما يتعلق بما لا يجب على المرء جهله من أساسيات أمور دينه ومعيشته من فقه العبادات والأخلاق والصحة العامة وإدارة شئون الحياة وربما هذه يمكن تلقيها بأكثر من وجه غير القراءة وتكثر فيها المحاضرات والبرامج المعرفية والتدريبية ومتوفر العديد من المؤسسات والمبادرات الثقافية التي تساهم في ذلك.

التخصص والعلم والفكر:

ما نسميه بالمجالات العلمية أو التخصص العلمي في العلوم السياسية  [2] وعلوم الاجتماع والتربية والاقتصاد والعلوم التطبيقية والأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم الشرعية بمختلف فروعها هو الذي قصدت أنه سيتضح اهتمام الشخص به مع كثرة الاطلاع والقراءة والبحث والمناقشة ويجب أن يأخذ وقته وحقه.

يُعرف لكل تخصص أدلته المنضبطة والحقائق والمعلومات الموثقة وهو ما يشكل “العلم”، وأيضًا يوجد رؤى وفلسفات يشكلها المفكر بتحليله وبتفسيراته واجتهاداته ونظرياته وهو ما يُطلق عليه “الفكر”، وثمة ثنائية خاطئة أو انفصام كان سيبدأ بين العلم والفكر إلا أن الكثير من المتخصصين والمفكرين اهتموا بما يسمى “بالتكامل المعرفي ” والتطرق إلى موضوع العقل والنقل والجزئيات والكليات في العلوم، فالأصل ألا يكون هناك فصل  بين العلم والفكر فكل علم أثبت بالحقائق والأدلة وجاء من أثبت عكسها وانتقدها وفند النظرية بفكره واجتهاده يعني أنه قد أُضيف له أو حُذف منه، فالفكر من التفكر وإعمال العقل من أجل التعلم وإضافة  للعلم وإثراؤه  فلا علم بدون تفكير وتفكر وإعمال للعقل.

وربما اهتمام جيلنا بالفكر أو إعمال العقل والتفكير جاء بسبب التشوه في المفاهيم والقناعات والعلاقة المغلوطة مع التراث والعزلة الشعورية بسبب التغريب وما سببه الاستعمار من تداخل ثقافي ثم عصر المعلومات والمعرفة صنع أزمة عامة في فهم العلوم الإنسانية خاصة وتناول العلوم التطبيقية أيضًا كما سبب إشكالات في تناول القضايا العامة من منظور إسلامي بعضها مال نحو التغريب متأثرًا بثنائية الدين والحياة، وبعضها مال إلى التقليد حفاظًا على الدين من التغريب، وبعضها مازال يبحث عن حلول وتأصيل لقضايا الناس العامة لذا ربما من الضروري وبعيدًا عن التخصص العلمي أن يتطرق المرء إلى القضايا الفكرية الشائكة كي يُدرك مكامن الخطأ في التفكير أو نواقص المعرفة لديه  ويقترب من الاجتهادات ومحاولات الإجابة عن الأسئلة الكبرى ليفهم الحياة من حوله بشكل أفضل.

إضافة قد تهمك

أن تكون مخرجات مسارات التعلم ضمن خطتك الشخصية العامة بحيث تبدأ في ترتيب أولوياتك الدراسية والمهنية والهوايات والمهارات بما يتلاءم مع تطلعاتك وتنمية علاقاتك، مرفق نموذج لذلك (الشكل 4)، وليس شرطًا أن يكون كل شئ واضحًا من البداية أو أن يكون المرء قد اطمأن لاختياراته، اعطِ لنفسك قدرًا من العشوائية والمغامرة والبحث عن الحقيقة بلا قيود مع قدر من التفكير المنظم والتخطيط الذي يضمن لك فرص ناجحة للتقييم والمراجعة.

7

للمزيد يمكن الاطلاع على الموضوعات التالية:


[1] قام فريق يقظة فكر بتصميم برنامجًا منذ عدة سنوات، يستخدم القراءة للتعلم بمنهجية تم تسميتها “القراءة التفاعلية” وتم تجربة هذا البرنامج منذ تصميمه على أكثر من مجموعة وكان لها أثر طيب وهو يعتمد على مجموعات القراءة بمراحل معينة تبدأ بإثارة السؤال وخلقه والقراءة النقدية وتكوين الرؤية وممارسة منهجيات تفكير مختلفة، يمكن الاطلاع عليه والتواصل مع إدارة الفريق للتدريب عليه للمجموعات والأفراد.

[2] لا أفضل اعتبار الفكر الإسلامي تخصصًا ولكنه فرع من تخصص، بمعنى إن كان هناك تخصص لعلم الاجتماع فيمكن دراسته من منظور إسلامي أو علماني أو يساري أو خلافه. وتحديد الفكر الإسلامي كتخصص يرسخ في الأذهان الانفصام بين العلوم وبينه، وربما نحتاج من علمائنا ومفكرينا العمل على إعادة فهم العلوم والتخصصات بما يحقق الاندماج وللدكتور طه عبد الرحمن في كتابه روح الحداثة مبحث في هذا وأيضًا تناولت بعض مؤلفات المعهد العالمي للفكر الإسلامي وبعض مؤتمراتها هذه الإشكالية.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. من فضلكم
    كيفية التواصل مع ادارة الفريق للتدريب على برنامج القراءة ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*