أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / مفاهيم ومصطلحات / سنوات التيه.. المطلق والنسبي

سنوات التيه.. المطلق والنسبي

هبة عبد الجواد

dreamstime_m_26131219confusion1غابت الهوية .. هكذا يشكو الجيل الحالي والجيل السابق .. ولم يعد البحث جاريًا اليوم عن الهوية الضائعة ولكن بات الحراك  مضنيًا اليوم في سنوات التيه التي تعيشها مجتمعاتنا وخاصة نخبتها من الشباب.

الهوة

هوة وقع فيها هذا الجيل بين ثنائية العقل العربي في الماضي الرافض للنقد والعقل، وبين العقل الغربي الذي خرج ثائرًا على الكنيسة والدين رافضًا لأي سلطة على العقل.

 نشأ تشوهًا في فهم المطلق والنسبي وأفرز حالة من التخبط والتناقض والشك وفوبيا الشك، وخلق ثنائية أفرزت رفضًا متطرفًا للأولى ورغبة في التمرد من أجل التمرد على كل ما هو ثابت ومطلق.

سنوات  طويلة مرت على الأجيال السابقة اتسم فيها التفكير بسيطرة السلطة على عقل الفرد، بدء من سلطة الأب ومركزية التعليم وسلطة الدولة والنظام وسلطة التوجيه والهيبة للشيوخ والدعاة في الخطاب الديني للجمهور،  مما أفرز نمط تفكير أحادي نراه متجسدًا في كثير من مظاهر الحياة، ورسم المخيلة “البراديم ” أو الصندوق الذي يحوي تفسير لكل ظاهرة طبيعية أو اجتماعية، فالصحيح من هنا والخطأ من هناك، الحق هذا والباطل ذاك أصبح كل شئ يوصف بالمطلق، وأصبح من النادر أن تجد من يؤمن بأن هناك ما يحتمل أوجه مختلفة أو نسبي في تفسيره.

وربما من الطبيعي أن يتجه الجيل الحالي كدورة طبيعية إلى رفض ما كان عليه وخاصة بعد ربيع الثورات العربي، تمرد على كل ما هو قديم ورفض ما كان مطلقًا في تراثه الفكري كحالة من الرغبة في كسر جميع الأصنام والشك في كل ما حوله، كما انتشر بين الشباب أسئلة كثيرة حول المرجعية المتجاوزة ومعنى الأخلاق وسؤال المبادئ والقيم وخاصة بعد أن أصبحت لهذه الكلمات تفسيرات نسبية كل يأخذها على محمل مختلف.

بل اتجه البعض إلى النسبية المطلقة التي يعتبر أصحابها، مثلاً: أن “جميع الأديان على حق” وليس “احترام الأديان”، والنسبية في الغيبيات وتفسير الطواهر الطبيعية وربما نرى ذلك في انتشار كلمة “أنا ملحد” كثيرًا نتيجة هذا الشك وهذه النسبية المفرطة.

فما هو المطلق والنسبي ؟

يعرف أستاذنا المسيري المطلق: “بأنه هو التام والكامل؛ المتعري من كل قيد؛ واجب الوجـود؛ المتجاوز للزمان والمكان، ولذا فهو يتسـم بالثبات والعالمية “.

فالمطلق كالمرجعية المتجاوزة التي تصلح كمنظومة من القيم الحاكمة الثابته ليست مرتبطة بزمان أو مكان مثل “التوحيد” عند المسلمين. أما النسبي، فهو ما يُنسَب إلى غيره ويتوقف وجوده عليه ولا يتعيَّن إلا مقرونًا به.  فالنسبي ليس بعالمي ولا ينطبق على كل البشر.

 والنسبي: هو كل تفسير لظاهرة طبيعية أو اجتماعية مرتبط بالزمان والمكان ويتلون بهما ويتغيَّر بتغيرهما، مثل: “تعريف الحرية عند مختلف الأعراق والأيدلوجيات”.

ثنائية المطلق والنسبي:

فيما عدا المطلق المطلق لا توجد ثنائية المطلق والنسبي في العالم  وكل شئ فيما عدا ذلك خاضع للنسبية مع كمون المطلق فيه .

فمثلاً : من آمن بالتوحيد كفكرة مطلقة (الرؤية التوحيدية) تصبح هي المرجعية المتجاوزة له في تفسير والحكم على  الظواهر الطبيعية والاجتماعية، فيصبح الكامن في رؤيته هو المطلق فيصنف الصحيح والأصح بناء على ذلك.

وهكذا حتى من يؤمن بـ “المادية” فهناك عنصر كامن في تفكيره يؤمن به على إطلاقه حتى وإن ادعى النسبية والشك في كل ما حوله، وتصبح هي مرجعيته المتجاوزه التي لا يقبل رفضها أو التخلي عنها.

غياب المطلق:

 إذا غاب المطلق معناه نسبية كل شئ في الطبيعة والحياة، وسيكون من الصعب التمييز بين الإنسان والحيوان، واعتبار منظومة الأخلاق نسبيية تعني عدم المقدرة على إصلاح الذات والتمييز بين الشر والخير وسيصبح كل شئ في الحياة لبس له ميزان حقيقي ويؤول كل شئ إلى العدم والفوضى والعبث.

إذا غاب المطلق، ستغلق بذلك آفاق جديدة في المعرفة  ولا يتمكن الإنسان من البناء المعرفي عبر التاريخ فليس لديه العلم الذي يتراكم وتنشأ عنه النظريات والحقائق بالتجربة أو بالاستنتاج فكل شئ لديه إن كان نسبياً فلا يوجد عنده ما يمكن الاستناد عليه.

فالمعرفة بها علم مستقر وجهل مستمر يدفع المرء إلى البحث والمراجعة والتقييم، ولا ينفع المرء معرفة يراها في نظره كلها نسبية فالمعرفة تعني نظريات وحقائق وبراهين وتجارب.

إلغاء النسبية:

إلغاء النسبية تعني الجمود والتمحور حول فكرة مركزية لا يتعدها مع تغير الزمان والمكان، ومع الوقت يصبح الناس في قوالب لا تتحرك مع عوامل الزمن المتحركة، وتتم السيطرة على العقول والتمحور حول الذات لا إراديًا دون أن يشعر المرء بهذا الجمود.

واليوم ..!

نحن في حاجة إلى تعريف للمبادئ والقيم المطلقة والثابت منها والثابت النسبي منها بحسب الأبعاد الزمانية (طبيعة العصر ومتغيراته ..) والمكانية (العرق والبيئة، والجغرافيا و..) تعريفًا يتجاوز الصراعات الفكرية والاختلافات السياسية والدينية ، فأبشع ما يمكن أن يتجه إليه العصر أن يستبيح الناس القتل لأن العدل هنا مفهومه نسبي ويتسبيح قمع الحريات لأن الحرية هنا مفهومها نسبي أو في المقابل يخلط بين مطلق الإيمان بالدين وعدم أحقية ذلك واعتبار ذلك نسبي بل وتدمير كل ما هو ثابت بدعوى أنه قد مضى عهد السيطرة على الأفكار، فإلغاء المطلق ليس نضجًا وعقلانية وإلغاء النسبية ليست تمسكًا بالإنسانية والقيمية.

وما يحدث اليوم من جدل حول تفسير منظومة الأخلاق أو المبادئ العامة كالحرية والعدل بسبب عدم وجود تفسير أولي لها ثابت فتأرجحت التفسيرات بحسب المصالح والمذاهب والظروف.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. حتى الاشياء المطلقه تعتبر نسبيه عند البعض

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*