أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / مفاهيم ومصطلحات / منظومة تنمية التخلف [1/2]

منظومة تنمية التخلف [1/2]

 محمد صالح البدراني

  • منظومة تنمية التخلف.
  • ماهية منظومة تنمية التخلف ونشأتها.
  • مواصفات إنسان منظومة تنمية التخلف.

 

  • منظومة تنمية التخلف:
By: Marcel Caram

By: Marcel Caram

مصطلح رابط أطلقته ليصف واقع منظومة فاعلة في عالمنا اليوم وبالذات المنظومة العاملة في منطقتنا، فهي منظومة نشأت لتنمي التخلف عندما تنحدر حضارة الأمة وتغوص في دياجير الظلم والتبعية وتقتات على التقليد ولا تستبين الطريق الموصلة إلى النجاة.

حينما يهبط الصادقون ويعلو المنافقون ويستباح المتسامح ويُخشى السفيه تكون الأمة محاطة بأدغال التخلف تسقيها من دمع وتسمدها بأجساد ودم، ويعلو عليها الوضيع وتنتهك حرماتها وتقلد ولا تبدع بل لا تجيد حتى التقليد.

أليست هذه بعض صفات أمة خذلت عندما جهلت واستطابت عيشا سقيما وتخلت عن أسباب النهضة وقوانينها!

في بيئة تنمية التخلف وحين تكون الأهداف تغلفها الغشاوة، تضيع في خضم التفاعل البوصلة، وليست النوايا الحسنة بقادرة على الصمود كما بدأ الناس بها. نعم قد تنقل الفكرة إلى قائد ولكن هل يستطيع القائد استيعاب الفكرة والإيمان بها؟ ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى أفكار قد تبدو خيالية وغير ممكنة التطبيق للعقل التقليدي الذي تربى في بيئة منظومة تنمية التخلف.

أسئلة قد نجد الإجابة عليها إذا عرف كل امرئ قدره وتخلى القادة عن حاشية المداحين واستطاع الذين في عقولهم نور متوطن أن يخترقوا مجاهل التأخر في الفهم عند الكثيرين ممن يتحدثون عن التغيير والنهضة وكأنها إسقاط أو رغبة، تتحقق بمعجزة أو بمعنى آخر يتكلمون وكأنها حاصلة وليست تحتاج إلى الجهد الأكيد لتكون.

إن التشخيص أمر مختلف حين يتماشى وحالة التذمر من الواقع والرغبة في التغيير ولكن هل يتقبل الشروع الحقيقي في العملية ؟ هل هناك استعداد للتضحية أو فهم لأهمية التضحية؟ هل هناك صبر وتحمل ونحن نتجه نحو الهدف؟

التخلف الفكري يأتي من الفهم  والمدنية قد تنمو وتنفّد في مجتمع غير متحضر أي ليس لديه فكر عامل لكنها تبقى مدنية تتخذ المظهر بعيدة عن جوهر الكائن المقلد الملقن لها وتبقى جامحة فاقدة معنى الحياة حتى لو كانت في الرقي ما بلغت.. إن عملية التغيير حتمية لكن متى؟

عندما يأتي من هو مؤهل لحمل رسالة التغيير، ليس شخصا واحدا أو مجموعة، وإنما أمة تستوعب الفكر القائد نحو التمكين.

  • ماهية منظومة تنمية التخلف ونشأتها:

منظومة تنمية التخلف الشاملة لعالم اليوم (بدرجات من الفاعلية)، تتسم بإهدار الإنسان كقيمة عليا وتكريم، ولا شك في بحثنا هذا نأتي إلى البيئة القريبة ونفهم من خلال تفاعلها مع الآخرين درجات التخلف التي بها تخفي المدنية وتطورها تخلف الغرب وفقره الحضاري. ولنأتي لمثال حي من مخرجاتها كي يسهل فهم معناها.

وأقتبس هنا من كتابي (قراءة في النظريات السياسية الإسلامية)

“لقد أوضح احتلال العراق صورة منظومة تنمية التخلف بمثال حي ووجد العراقي نفسه  ينظر إلى مصطلحات معروفة لديه لكن العراقي يستغرب معانيها التي قلبت كيانه ولم تشعره بالغثيان فحسب بل بالغربة، بالضياع، بالخوف، بالهروب نحو الموت، هذا الكم من الحقد المتفجر والمؤامرات التي يصعب على العراقي فهمها، بل تفاعل معها تفاعل الداخل إلى السراديب المظلمة المليئة بالأثاث وإن كابر بعضنا وادعى أن هذا الشعب لا تنطلي عليه الحيل، لكني أقول لكم أن هذا الشعب مهيأ لكي تنطلي عليه أسباب التخلف وقد لا تريح هذه الحقيقة كل الناس وأنا من ضمن الناس الذين لا تريحهم، بيد أنها حقيقة من استقراء علمي لواقع اجتماعي متخلف وغير محصن إلا ببقايا من الإسلام المختلط بالعادات والتقاليد، وجوانب ايجابية من التجمعات الغريزية أو العشائرية التي جرى عمل طويل على تفكيك أواصرها. ومما يقتضي التوضيح أن الأمة لم تنجر في التقسيمات المطروحة وإنما استسلمت لها كما استسلمت لطرح كل السفهاء لكن وصول الأمة وليس العراق وحده لهذه الحالة من التخلف هو ما يستدعي النظر، فهم ليسوا بلا رد فعل ولا قليلي الكلام والرد وإنما فعلهم وكلامهم غير مستند إلى دراسة أو عقل و تحركه العواطف والغرائز من البقاء إلى حب السيادة إلى النوع.. وذاك لعمري هو العبث الذي لا يحل مشكلة.

وهذا التخلف ـ كما أراه ـ أتى من تشكل لمنظومة فاعلة أسميتها (منظومة تنمية التخلف)، وهذه المنظومة تشكلت (رسميًا) في معاهدة سيكس ـ بيكو التي أسقطت بعدها حاكميه الشريعة بسقوط الخلافة نهاية الربع الأول من القرن العشرين، وكانت الغاية إبعاد الأمة عن دينها لكن الأمة كان لها حيثيات في التخلف خصوصًا وأن الدول والإمارات القائمة كانت لا تهتم بالعلم وكان القائمون على العلم جهلاء في أغلبهم ومن يظهر من المجددين يظهر بشكل ومضة لا تكاد ترى حتى تخبوا لتركن في مؤلفات مؤشر عليها بخطوط وتحذيرات.

وهنالك من يظن أنه يتخذ من الإسلام منهجًا ويمارس إحدى الحالات المتناقضة التالية (اعتبار أن الدين غير السياسة وهذا من تأثير المطروح من العلمانيين وهو ما يقوده وعاظ السلاطين، التدخل في السياسة ولكن ليس بتحكيم الشريعة بل بإصدار الفتاوى والتوجيهات المعبرة عن وجهة نظر شخصية وليس شرعية وهذا يقود إلى الحضيض من التخلف وإلى دولة دينية ثيوقراطية كما في العصور الوسطى في الغرب، ولقد لعب الاحتلال على إنشاء هذا الدور (لبعض رجال الدين) ليوجد نسخة من الحكومة ثيوقراطية؛ والحرب المذهبية التي كانت تعم أوربا في القرون الوسطى ومحاكم التفتيش وأظهرها بوضوح ابتداءً من الجادرية إلى حرق المساجد والحسينيات والقتل والذبح والتهجير وغيرها مما لا يحتاج لوصف، لتضيع معالم حقدهم في أبو غريب وغيرها من السجون و ليثبت للعالم أن الإسلام يعيد الناس إلى العصور الوسطى بل وشوه التاريخ ليقول أن المشكلة عمرها ألف عام في حين أن الأمام الحسين هو إمام كل المسلمين اليوم، ولكن الغاية هي إفشال النهضة الإسلامية بإظهاره بهذا المظهر المتخلف والمتطرف والتكفيري على جهتي المسلمين وهذا هو معنى الحرب الصليبية الجديدة التي هدفها إجهاض الصحوة، وتخويف الناس في أوربا من الدخول إلى هذا الدين ووقف امتداده.

لأن أي مسلم جديد يدخل الإسلام ينظر إلى الإسلام كمنهج حياة، ولقد ساعدت منظومة تنمية التخلف والإعلام العربي المتخلف على نجاح ذلك لحد الآن؛ وكذلك رجال الدين الذين تحركهم دوافع من قصر النظر وأحقاد ضاقت بها صدورهم؛ ومجموعات لا تفقه وتكفر من يفقه كما كفر البعض الإمام علي وهم لم يفكروا أن هذا الرجل مع الرسول مذ كان صبيًا.

ولعل منظومة تنمية التخلف أخذت طريقها إلى الغرب أيضًا فهم يحاربون الإسلام وهو الطريق لإيقاف التدهور العالمي بل هم نتيجة خوفهم التاريخي زرعوا ألغامًا متعاظمة في قاعدة بنيان مجتمعهم من هذه الأجهزة المخابراتية والأمنية التي ستدافع عن بقاءها بحكم مبدأ النفعية الذي يرتكز عليه الغرب وسرعان ما يظهر الخطر في نظام هش لا أساس له، إن مشكلتنا ليست مع الغرب بأن نكرهه أو نحبه، فهو أرض دعوة كما أرضنا اليوم أرض دعوة لكن مشكلتنا هذه المنظومة التي أصبحت معظم مدخلاتها (تخلف) وكفاءتها (بالمتخلفين) ومخرجاتها (تخلف) وبيئتها (تخلف) ونرى من يقود صحوتها ويتصدر الدعوة لها متأثرًا بالتخلف من مجموعات لا تكاد ترى أو تفقه الغاية من عملها جهلت وجهّلت الناس ولا ينبغي أن يفهم من قولي التعميم وإنما الضياع لصوت الحق الهادئ أمام الأصوات العالية المبحوحة من أرباب منظومة تنمية التخلف”. (انتهى).

إذن نستخلص التالي: أن منظومة تنمية التخلف نشأت رسميا في بلداننا مع رفع الخلافة الشكلية للدولة العثمانية، وارتكزت على التخلف الممتد عبر قرون نتيجة إخفاقات الإدارة والتعاطي مع الحضارة والفكر في العهد العثماني، وانشغال الدولة في الفتوحات والحروب المستمرة إضافة لعوامل تاريخية ليس لها محل هنا لذكرها، بيد أن المنظومة لم تنشأ مرة واحدة وإنما هي نتيجة طبيعية في بلاد مرت بمراحل التاريخ المبعد لها عن حضارتها رغم استمرار التقدم المدني واستمرار حاكمية الشريعة من الناحية النظرية على الأقل، بل نشأت لتداعيات وتسلسل طبيعي يراه الدارس والأمة تسير عمليا إلى هذا بعد أن عكست أسباب نهضتها.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*