أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: الخلافات السياسية بين الصحابة للمختار الشنقيطي

قراءة في كتاب: الخلافات السياسية بين الصحابة للمختار الشنقيطي

ert8

الكتاب: الخلافات السياسية بين الصحابة
المؤلف: د.محمد بن المختار الشنقيطي
عدد الصفحات: 240 صفحة
دار النشر: الانتشار العربي 2011 م
قراءة: محمود سامح

أزمة وخلاف

من الأمور التي كانت ولا تزال تثير حفيظة الكثير من المسلمين أمر الخلافات السياسية التي وقعت بين الصحابة في نهاية خلافة عثمان باستشهاده وبداية عهد جديد مع مبايعة المسلمين لعلي رضي الله عنه خليفةً لرسول الله صلى الله ثم تلاها الشجار الذي نشأ بينه وبين معاوية رضي الله عنه.

 حيث كان معاوية من المطالبين بالقصاص العاجل من قاتلي عثمان رضي الله عنه وما استتبع هذا الحدث من فتن كثيرة عصفت بالمسلمين, كان أكثرها هولاً حرب صفين التي استشهد فيها سبعين ألفاً من المسلمين, منهم  الكثير من كبار الصحابة السابقين إلى الإسلام.

بالعودة إلى تاريخ هذه الحقبة تحديداً والوقوف على الأحداث التي وقعت بها ليس بالأمر العسير على الباحث ولكن الذي يصعب الحديث عنه أو الخوض فيه إنما هو الحديث عن هذه المرحلة بالتحليل والبت في الخلافات السياسية بين الصحابة دون التسلح بالعلوم عموماً وبالشرعية منها خصوصاً.

 إذ الأمر شائك وحدث فيه خلاف أدى لاختلاف مازالت تعاني الأمة من ويلاته حتى الآن وإنما يتحتم علينا أن ندرك ما حدث في هذه المرحلة تحديداً لأنها مرحلة التأسيس في هذه الأمة ولا بد من الوعي بها  حتى نستطيع أن نقيم أسباب ما وصلنا إليه من انحطاط.

يمين ويسار

لقد أوغل كثير من الشيعة في التأول والتأويل للصحابة رضوان الله عليهم الذين شاركوا في أحداث هذه المرحلة, دون أن يحفظوا للصحابة مكانتهم وسبقهم للإسلام وحملهم للرسالة ومصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم, حتى وصل بهم الأمر إلى اللعن والسب بل تجاوزوهما إلى التكفير والاتهام بالنفاق فشنعوا عليهم بأبشع الألفاظ وأسوائها.

 الأمر الذي دفع كثير من أهل السنة للحديث عن هذا الأمر دون أن يعوا أهمية وخطورة الخوض في هذا الأمر, فصاروا محكومين بردود أفعال لما كان يتلفظ به الشيعة  فظهرت أقوالهم غير متزنة, فدافعوا عن الصحابة ودرئوا الشبهات التي أثارها عنهم كثير من الشيعة.

إلا أن الأمر لم يتوقف بهم إلى هذا الحد وإنما تجاوزه إلى تبرير ما صدر من بعض الصحابة من أخطاء في السلوك تخالف الأصوب أو لا توافق ما جاء به النبي   صلى الله عليه وسلم, محولين الذنب المغفور إلى سعي مشكور, متجاوزين بشرية الصحابة رضوان الله عليهم ومظهرين صورة هي أقرب للملائكة من البشر, فتحولت ردود كثير منهم إلى نوع من التشيع السني.

بل لم يتوقف الأمر عند حد الدفاع عن الصحابة وتبرير أخطائهم وإنما تجاوز إلى الدفاع عن انحرافات ملوك الأمويين وتبرير ظلمهم, مما حدى بكثير منهم إلى اتباع الأهواء والابتعاد عن منهج الحق والعدل الذي التزمه ابن تيمية في الحكم على هذه المرحلة.

أهل السنة والتشيع السني:

انقسم أهل السنة في الحديث عن هذا الأمر إلى خمسة مذاهب:

  • مذهب الممسكين عن الخوض مطلقاً في أمر هذه الخلافات وهو الذي عليه متكلموا أهل السنة.
  • مذهب الداعين إلى الإمساك عنه مع خوضهم فيه كالذهبي وابن كثير ويحمل خوضهم على انه ترخص لغرض تعليمي أو أن المراد بالخوض عندهم هو ما كان على سبيل القدح والذم.
  • مذهب الخائضين في الخلاف مع التأول لكل الأطراف بأن كلا منهم مجتهد مأجور وهو الذي اتبعته جماهير الأمة عبر القرون.
  • مذهب الخائضين دون تأول وقد اشتهر من أهله بعض التابعين أمثال الحسن البصري.
  • مذهب المغالين في الدفاع والتبرير, المنفعلين بردة الفعل المتأولين للصحابة وغيرهم بحق وبغير حق وهو ما عليه ابن العربي وتلامذته المعاصرون. وهذا المذهب الأخير هو الأعلى صوتاً اليوم والأقوى نبرة لأسباب ليس هذا مكان عرضها.

أما ابن تيمية وقد خاض في هذا الأمر إلا أنه لم يلزم نفسه بمذهب مخصوص وإنما خاض في الأمر عن دراية ودون تكلف في التأويل على الأغلب وإنما التزم بمنهج وسط يجمع فيه بين قدسية المبادئ ومكانة الأشخاص.

تفرد ابن تيمية بمنهج:

سار ابن تيمية في حديثه عن أمر الخلافات على منهج وسط متزن لا يهدر من قيمة الأشخاص ويعلي من قيمة المبادئ, وقد تميز ابن تيمية في هذا الأمر من حيث الكم حيث ألف بصدد هذا الأمر تسع مجلدات في كتابه ( منهاج السنة النبوية ) هذا فضلاً عما تضمنه كتاب الفتاوى من الحديث عن هذا الأمر وكذلك من حيث الكيف حيث أن ابن تيمية كما ذكرنا التزم الوسطية والاعتدال مع التزامه بمنهج العلم والعدل.

 فكان لا يتوانى عن الاعتراف بأخطاء وردت عن بعض الصحابة, ما دامت لاتوافق المبادئ التي أخذوا مكانتهم من خدمتها ولكن مع الاعتراف بالفضل للصحابة رضوان الله عليهم في حمل رسالة الدعوة إلى الأمة حيث يقول ( إن كل مؤمن آمن بالله فللصحابة عليه فضل إلى يوم القيامة ).

 تضمنت كتب ابن تيمية مجموعة من القواعد الضمنية التي ينبغي على من يخوض في هذا الأمر أن يتمسك بها واستنبطها وجمعها الكاتب  بجهد مشكور وتفصيل هذه القواعد هي كما يلي:

  1. التثبت في النقل والرواية.
  2. إستصحاب فضل الأصحاب.
  3. التمييز بين الذنب المغفور والسعي المشكور.
  4. التمييز بين المنهج التأصيلي والمنهج التاريخي.
  5. الاعتراف بحدود الكمال البشري.
  6. الإقرار بثقل الموروث الجاهلي.
  7. اجتماع الأمانة والقوة في الناس قليل.
  8. الأخذ بالنسبية الزمانية.
  9. عدم الخلط بين المشاعر والوقائع.
  10. النهي عن اللعن والسب.
  11. الابتعاد عن التكفير والاتهام بالنفاق.
  12. التحرر من الجدل وردود الأفعال.
  13. إدراك الطبيعة المركبة للفتن السياسية.
  14. التركيز على العوامل الداخلية.
  15. اجتناب الصياغة العقدية للخلافات الفرعية.
  16. الابتعاد عن منهج التهويل والتعميم.
  17. التمييز بين السابقين وغير السابقين.
  18. اجتناب التكلف في التأويل.
  19. التدقيق في المفاهيم والمصطلحات.
  20. عدم الخلط بين الخطأ والخطيئة والقصور والتقصير.
  21. التفريق بين الخطاب القدري والشرعي.
  22. الحكم بالظواهر والله يتولى السرائر.

ختاما:

لقد درج كثير من علماء المسلمين في الماضي والحاضر على الكتابة عن حياة الصحابة وتاريخ السلف بمنهج سرد المناقب والفضائل فقط، محكومين بالجدل مع القادحين في الصحابة رضي الله عنهم، والذين لم يعترفوا لهم بفضل السبق.

رغم فائدة هذا المنهج في استنهاض الهمم الراكدة، وفي الرد على الطوائف المعاندة ،إلا انه يشتمل على جوانب قصور منهجية، أهمها أنه يسلخ حياة الصحابة والسلف الأول من طبيعتها البشرية.

هذا القصور المنهجي يحول تاريخنا من تاريخ حي نابض إلى تاريخ جامد مقدس ، يثير الحماس لكنه لا يمنح الخبرة ، يحرك الهمة لكنه لا يقدم العبرة,  يظهر تقصير الخلف لكنه يقنطهم من الاقتداء بالسلف.

المرجع

عرض آخر للكتاب بالمكتبة

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. أحمد الصويعي

    هل يوجد نسخة إلكترونية من كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة للمختار الشنقيطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*