أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / المعركة الشاملة

المعركة الشاملة

feker2عمار صبري

عمّار صبري feker2

في أسفل الجبل أنت في وسط الجموع لا ترى كل التفاصيل، يختلط الدخان بالزحام بالأتربة، يختلط العدو بالصديق، لا يمكن لك أن تميز الطريق، فقط اصع إلى أعلى الجبل وانظر، حينها ستميز كل شيئ، سوف ترى الصورة بشكل أوضح من أعلى وهذا هو الدور المنوط بالقائد الاستراتيجي.

 ففي الوقت الذي ينشغل فيه أفراد فريقك بالمعارك الجزئية والأهداف المرحلية، ينبغي أن تمتلك أنت رؤية مستقبلية، وتفكر كيف تربح المعركة الشاملة، لا تركز على المعارك المرحلية بقدر تركيزك على تحقيق الهدف الكلي في المعركة الشاملة، فلا يليق أبدا بقائد استراتيجي أو بإدارة استراتيجية لمؤسسة أن تنتظر حدوث الكارثة للتفكير في حلول لها، أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن التفكير الاستراتيجي يقودك إلى النظر للمعركة بشكل شامل، والاستعداد للمشكلات وتجهيز الحلول، فالقائد الاستراتيجي يرى كل شيئ، يعرف ماحدث وكيف يستفيد منه، ويدير ما يحدث الآن بمرونة وقوة، ويتوقع ما سيحدث ويستعد له.

في إطار المعركة الشاملة، يجب أن تحدد أهدافك وتعرف أولوياتك ومن ثم تتحرك، يجب أن تتنازل عن معارك لا تشكل لك فارقا، وتخوض بكل قوة المعارك التي تقودك نحو هدفك، ليس المهم عدد النجاحات في المعارك الفرعية، المهم هو المحصلة في المعركة الشاملة.

المعارك ليست كمباريات الكرة يحدد الفائز فيها بالنقاط، المعارك تحسم فقط في معركة شاملة، وقبل ذلك يستعد الطرفان بمعارك جزئية، قد يربح فيها طرف على آخر ولكن هذا لا يؤدي إلى انتصاره الكامل في المعركة الشاملة، بل قد يتنازل طرف لخصمه في معركة لتحقيق هدفه الاستراتيجي، لكن التعامل مع ذلك يكون بحذر شديد، لأن بعض الهزائم ولوكانت جزئية وصغيرة قد تؤدي إلى ضعف الروح المعنوية لفريقك، لا تدع شعور الهزيمة يتسرب إلى نفوس الفريق، لأن هذا أخطر ما يواجهك، لكن أيضا لا تنشغل بالانتصارات الصغيرة، وكقائد استراتيجي دعهم يفكرون في الجزئيات، والقى أنت نظرة على المسألة برمتها، من أعلى الجبل اطلع على التفاصيل الشاملة وحدد مسارك نحو الهدف الأكبر، فكر كيف تنتصر في المعركة الشاملة.

وقد حدد “روبرت جرين” أربعة مبادئ أساسية لكيفية التفكير بهذه الاستراتيجية نشرحها من خلال أمثلة تاريخية، وهي:

  • ركز على الهدف الأكبر، وحدد قدرك: أحد أهم العوامل التي تؤثر في التفكير الاستراتيجي، هو وضوح الهدف، معرفة ما ستؤل إليه حياتك، لابد من وجود هدف واضح لك في الحياة، لكن ابتعد عن الأمنيات، عن الأهداف غير الواقعية، عواطفك تدفعك إلى البحث عن الأمان إلى الشعور بالذات، فتمضي بك في طرق غير واقعية إلى حيث لا شيئ، أما أهدافك فلابد أن تكون واضحة واقعية، لا يعني ذلك أن تكون صغيرة، بالعكس من المهم أن تكون أحلامك كبيرة بالقدر الكافي أن يولد لديك دافع لتحقيقها، كان نابليون بونابرت في حملاته يرى نهايتها، بل ويقف أمام الخريطة ويحدد الأماكن التي سيذهب إليها والمحطات التى سيحل بها، متخيلا المعركة النهائية، والمعاهدات وشروطها بعد المعركة، حدد هدفك وفقا لما تعتقد أنه دورك في الحياة، المهمة التي أوكلت إليك في الدنيا، فوفقا لمهاراتك لابد أن لك دور في هذا العالم، ابحث عن الدور المنوط بك، حدد قدرك.
  • وسع منظورك: إن المعركة الشاملة هي بالأساس مسألة رؤية، كلما كانت رؤيتك للأمور أفضل وموضوعية، كلما كانت لديك استراتيجيات أفضل، المشكلة التي تواجه الجميع هي الخبرات السابقة، الناس سجناء تجاربهم، لذا تظل رؤيتك للأمور قاصرة طالما أنها متأثرة بتجربة سابقة أو بمشاعر عاطفية. كذلك لابد أن ترى الأمور بأعين الآخرين، كي ترى الأمور بشكل أوسع، وعلى رأس الآخرين لابد أن ترى الأمور بأعين خصومك، يجب أن تفهم كيف يفكرون؟ وبماذا يتأثرون؟ كل ذلك سيكون لديك رؤية أفضل، ويجعلك تحدد استراتيجيات التعامل بشكل أفضل، في الحرب الأمريكية على فيتنام، درس الفيتناميون الشامليون الأمريكين وفهموا تحولات الرأي العام الداخلي الأمريكي، في حين أن الاستراتيجيين الأمريكيين لم يفهموا ثقافة الفيتناميين الشماليين الذين كانوا يعادوهم ولا الجنوبيين الذين كانوا يدعمونهم، عدم المعرفة بالخصم ورؤيته للأمور لا يمكنك أبدا من معرفة ما ستؤل إليه الأمور، فقط نحن نتمكن من توقع ما سيحدث حين نتمكن من فهم كل العوامل، ومعرفة كيف ينظر الجميع ويفكرون.
  • اقطع الجذور: قبل أن تشكل استراتيجيتك لابد أن تعرف أصل المشكلة، في مجتمعات محكومة بالظاهرية يصعب معرفة أصل ومسببات المشكلة، وسع نظرتك ليس فقط لتشمل مساحة أبعد وأوسع، بل وأعمق، فكر ما هي مصادر المشكلة ومن يحرك خصمك، وماهي مصدر قوته، اعرف جذور المشكلة أولا ومن ثم ضع استراتيجية مناسبة لقطعها، حين غزا القائد القرطاجي هنبيعل إيطاليا عام 218 ق.م، قرر قادة رومان عديدون هزيمته لكن أيا منهم لم يفلح، حتى جاء جنرال روماني يدعى سيبيو أفريكانوس ونظر إلى الوضع بشكل مختلف، لم تكن المشكلة في هنيبعل نفسه أو قاعدته في أسبانيا أو قدرته على التزود بالغلال من قرطاج عبر البحر، بل كانت المشكلة في قرطاج نفسها، فقد كان بلدا يكره الرومان كثيرا، وهناك صراع قديم على القوة بينهما، لذلك بدلا من مهاجمة هنيبعل قام القائد الروماني بالهجوم على قرطاج مجبرا هنيبعل على الانسحاب لحماية بلدته، لم تكن تلك الضربة موجعة لهنيبعل وفقط بل لقد دمرت قرطاج وأنهت الصراع تمام، لذلك اعرف أن ضربة استباقية لجذور المشكلة قد تنهي في أيام صراعا ربما يمتد لعصور.
  • اسلك الطريق غير المباشر نحو الهدف: من السيئ في الصراع أن تفقد زمام المبادرة، وتتحول إلى رد فعل لخصمك، والحل في ذلك أن تضع خطة مناسبة، تضعها بشكل سري، تتحرك في طريق أهدافك بشكل غير واضح، دع خصمك لا يفهم خطواتك، يتابعك دون أن يتوقع أين ستكون خطوتك التالية، حين تكون متوقعا، يستعد خصمك لضرباتك باستراتيجيات دفاعية، أما إذا كنت تسلك طريقك بشكل غير مباشر فسيفقد خصمك ميزة أن يتوقع تحركاتك، سيكون زمام المبادرة وإدارة الصراع كاملا في يدك. كان المخرج السينمائي ألفرد هتشكوك يهدف إلى صنع الفيلم بشكل يلائم رؤيته الأساسية، وذلك بالسيطرة على كافة تفاصيل الفيلم دون تدخل الآخرين سواء المنتج أو الممثلين، وحين كان يأتي المنتج لموقع التصوير ويحاول التدخل، فكان هتشكوك يضع كاميرا بدون فيلم ينفذ بها ما يريده المنتج وكذلك الممثلين، لإيهامهم أنه يفعل ما يريدون، في حين أنه يفعل ما يريد، لم يكن يصادم الآخرين، فقط يمنحهم المشاعر التي يريدونها في حين أنه يخطو نحو هدفه بخطوات ثابتة. لذلك ينبغي عليك كمفكر استراتيجي معرفة أهدافك ووضع خطة عبارة عن خطوات مرتبة سرية، وتحرك تاركا خصمك في حيرة من أمرك، دعه يصدم حين تصل إلى هدفك فجأة دون أن يتوقع خطواتك.

من خلال دمج المبادئ السابقة يمكنك أن تصيغ الاستراتيجيات الأفضل لخوض حرب شاملة غير متأثرة بما حولك من تفاصيل ومشاعر وأشخاص، فقط ركز على كيفية حسم المعركة الشاملة دون النظر إلى المحطات الفرعية، انظر بشكل أوسع لما يلزمك في معركتك وتحرك نحوه.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*