أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / سهرة على باب المصعد

سهرة على باب المصعد

10393953_760079940740496_4862847469508463666_n

د. طارق أبو غزالة

كانت الساعة قد قاربت على بُعَيْد منتصف الليل بقليل حين دلفنا أنا وهو داخل الفندق. كنا ليلتها قد سهرنا عند أحد الأحباب في الدار البيضاء. وعلى عادة العرب بدل أن نصعد كل منا إلى غرفته وقفنا نكمل باقي السهرة على باب المصعد نتجادل في أمور الأمة. كان ذلك في شهر مارس آذار عام 2005 حيث كنا مدعوين قبل يومين إلى مؤتمر فكري في وجدة في شرق المغرب الجميل.
كان الزمان في تلك الأيام زمن الدورات الفكرية الحقيقية ودورات التنمية البشرية الزائفة لكن الفاصل بينهما استدق كثيرا حتى دخلت الدورات ببعضها فتسللت تخاريف دورات التنمية البشرية إلى الشعوب عبر برامج الفضائيات التي غزت كل بيت فأصبح في كل منها مدرب معتمد من أحد البوردات.
كان الأستاذ مفكرا حقيقيا من الطراز الأول ينظر إلى الأمور من أعلى فيرى المشهد متكاملاً فيسهل عليه حينئذ الإمساك بتفاصيله وردها إلى حجمها ومكانها الطبيعي. وكنت حينئذ شاباً يرى أن كل شيء ممكن لا يقف أمامه عائق إلا أنفسنا.

تناقشنا في قضية التحرر كنت أرى أن العطل منا نحن وأن لو تغيرنا لسهل علينا تحرير أوطاننا. أجابني ببرود: ولنفرض أن ذلك حصل وتغيرنا فماذا ستفعل بالأسطول السادس الأمريكي الذي يجوب البحر المتوسط؟
أجبته بثقة: حين نصل للحكم نستطيع أن نفعل ما نريد والشعوب ستكون معنا. قال لي متحديا ببرود أيضاً: وماذا ستفعل في اليوم التالي لجلوسك على الكرسي حين يقرع بابك سفراء البنك الدولي ويطالبونك بالقروض المستحقة لهم على بلادك؟ هل ستقول لهم لا علاقة لي بها؟ سيقولون لك عندها إذاً لا نعترف بك حاكماً شرعياً. أما إن قلت سأدفعها سيأتيك الجواب مباشرة: كيف وخزائنك فارغة التي لولا فراغها ما استدان الذين من قبلك المال أصلاً.

151223185106_future_archaeologists_640x360_thinkstock_nocreditكان الكلام الذي يقوله لي يكبلني إلا أنني أحاول التفلت من سلاسل كلماته دون جدوى. هناك نظام عالمي دولي تحكمه قوى هائلة تتدافع فيما بينها ونحن في المنتصف بينها لا نحسن التدافع لصغر حجمنا فيما ننعصر بين تلك الأجسام الهائلة.
لاحظ ارتباكي فكأنما أراد أن يخفف عني بشرح إحدى القواعد الكبرى لتلك السياسات الدولية: قال لي هل تعلم أن محمد علي باشا حين حكم مصر بنى سفينة ووضع عليها مئة مدفع. ولذلك تكالبوا عليه فدمروه. حاول محمد علي امتلاك زمام القوة فمنعوه. وكل من يحاول ذلك سيمنعوه. لن يمتلك القوة أحد بسهولة.
نفذت حججي كلها تقريباً إلى واحدة فرميتها بوجهه على مبدأ “أفحمك! جاوبه”
قلت له: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”

نظر إلي نظرة جادة وكأنه لا يصدق أنني أتيته بتلك الآية الواضحة المحكمة التي تتحدث عن قانون إلهي من سنن التغيير؛ تغير حال القوم مرهون بتغير ما بأنفسهم.
أجابني الإجابة التي مازالت ترافقني منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا.
قال: أنا أفهم هذه الآية بالسلب يقصد سلباً. سألته: شو قصدك؟
أجابني: إن الإنسان أو القوم يكونون بنعمة وأحسن حال فيتغير ما بأنفسهم فيتغير حالهم. كرجل يعيش منعما, فيتغير ما بنفسه فيذهب إلى لاس فيغاس ويقامر بكل نعمته فيخسرها في ليلته تلك.
لاحظ ارتباكي.
فقال لي: إقرأ الآية كاملة تفهم قصدي.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ.
والأية الثانية تشمل نفس المعنى:
إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ
ثم تابع كلامه: كل ما تسمعه عن التغيير الإيجابي إنسه. فكلمة التغيير لغةً كلمةٌ سلبية وتعني انتقال الشيء من حال حسن إلى حال أسوأ: “مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ.
وهذا كان فهم الفقهاء لكلمة التغير حين قالوا عن ماء الوضوء:
لا حرج في الوضوء بالماء المتجمع من الأمطار ما لم يتغير.
أنهينا جدالنا هنا. وصعد كل منا إلى غرفته. دخلت غرفتي ورأسي يفتل بسرعة كبيرة. فقد كان الإحباط قد وصل إلى كل مفاصلي من كلامه المنطقي. فقد كشف كلامه “فجأة” عن عوار تفكيري. اكتشفت أنني كنت على خطأ لفترة طويلة وأنني كنت قد بنيت كثيرا من أسس تفكيري على هذا الخطأ.
وضعت رأسي على الوسادة الممتلئة لأنام لكنني لم أستطع ذلك. حاولت تنويم نفسي دون جدوى. عددت الخرفان خروفا خروفا وهم يقفزون فوق السور ومع ذلك بقيت صاحيا. تعوذت بالله فازددت يقظة.
لم أستطع أن أنام إلا بعد أن اقتنعت أن رأسي قد فرغ تماما وأنه بذلك قد أصبح أخف من الوسادة الوثيرة التي وضعته عليها. نمت ليلتي تلك على حال مختلفة فقد علمت من تلك الليلة أن رحلة الانتقال من حالنا المزري إلى حال أفضل رحلة طويلة يلزمها أولاً فهم صحيح للصورة الكلية الشاملة وبعد ذلك تأتي مرحلة الانتباه للتفاصيل. هي رحلة بدأت من جانب المصعد لكنها لا تصعد عموديا. إنها رحلة لا تصعد إلا أفقيا.
وللكلام بقية…

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. كلام صحيح وحقيقة واقعية نحنوا واقعين فيها ونسير على اجندتها

  2. مصطفى ابراهيم

    هناك مفهوم اخر لآيات القران الكريم وهو : ان كل آية من آيات القران الكريم لها مفهوم سياقي ومفهوم مستقل.

    بمعنى ان الآية القرانية ضمن سياقها القرآني الذي وردت فيه تحمل معنى معين ، ونفس الآية القرآنية اذا انتزعت من سياقها وقرأت بشكل مستقل فإنها تعطي معنى آخر.

    مثلا الآية القرآنية ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا )

    وردت (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) ضمن آيات الطلاق وهي بمعنى ان في مسألة الطلاق فإنه من يتق الله سوف يجعل الله له مخرجا أي أن البيت الأسري اذا وصل الى مرحلة التفكك والانهيار والانفصال فعلينا بتحقيق تقوى الله في هذا البيت الأسري لكي يهيئ الله لهذا البيت اسباب التماسك والاستمرار وهذا هو المعنى من السياق

    اما اذا اخذنا ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا) لوحدها وانتزعناها من سياقها فانها سوف تصبح قانونا في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا وفي كل معضلة لنا او هم او مصيبة او كربة فان المخرج منها هو تقوى الله

    وهكذا هي آيات التغيير التي ذكرتها في معرض حديثك فإن لها معنى سياقي وهو التغيير للأسوأ
    ولكن اذا انتزعناها من سياقها فانها سوف تصبح قانونا
    والله اعلم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*