أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / أدب / بذور الجوافة المُقَدَسَة (8)

بذور الجوافة المُقَدَسَة (8)

أكثر الحلول بداهة هي أكثرها خفاء في واقع كهذا.

8

احتشد رجال أهل البلدة في الساحة القديمة. كان هناك اتفاقًا ضمنيًا بعدم البناء على الساحة التي كان يجتمع فيها آبائهم وكانوا هم يلعبون فيها صغارًا. فالإنسان لا يستطيع أن يُقتَلع من جذوره كلية. ولهذا لم تعبث بالساحة أيادي المدنية.

(أحدهم) والعمل يا رجالة. هنفضل قعدين كده زي الولايا حاطين إيدنا على خدنا. العيال مش هيعرفوا ياكلوا الدوم. ده إحنا أسنانا اتنحلت منه وكلنا تقريبًا عندنا أطقم أسنان علشان ناكل بيها.

لم يرد أحد.

(آخر) يا جماعة أكيد ربنا مش هيسبنا كده. والحمد لله العيال لسه بترضع. لسه قدمنا وقت.

(حاتم بعصبية) وقت إيه. الولد عندي المفروض يتفطم اليومين دول.

يعني هنعمل إيه يا حاتم. أدي الله وأدي حكمته.

(منفعلاً) ممكن تنقطنا بسكاتك طالما معندكش حل.

(عم سالم الجواهرجي): يا جماعة وحدوا الله. المصيبة طايلنا كلنا. مالهاش لازمة ننفعل على بعض.

(حاتم) مش سامع يا عم سالم بيقول إيه. هي ناقصة. هنسيب العيال ترضع يعني لحد ما يكبروا وتطلعلهم أسنان.

لم يلتفت الجمع لعدم وجود معتز إلا حينما جاء وعلي وجه ملامح القوة وعدم الاكتراث. تعمد إحداث جلبة بقرع خطواته القوية لما اقترب من الجمع.

حاتم: إيه يا عم معتز. أتأخرت ليه كده؟ هو أنت مش مهم عندك الموضوع ولا إيه.

(بغرور مستتر تحت ابتسامة باهتة) معلش عقبال ما قفلت المحل.

ده وقته يا معتز. أنا مش عارف أنتوا بيمشي في عروقكم دم ولا ميه.

(عم سالم) ما توحد الله يا حاتم يا بني. مش طريقة حل ديه.

(معتز) سيبه يا عم سالم. (بنبرة استهزاء) ما هو الواحد لما يكون قليل الحيلة أعصابه بتفلت.

(وقد شعر بثقة في نبرة معتز): يعني هو أنت وصلت لحل يا أبو العُريف؟

أكيد طبعًا. هو أنا ابن الحاج عبد العال هيتقف قدامه مشكلة بسيطة زي ديه.

(محاولاً كتم غيظه ومتحدثًا بصوت لا يُسمَع): ابن الحاج عبد العال. عجايب يا زمن القوالب نامت والأنصاص قامت.

بتقول حاجة يا حاتم.

لا أبدًا.

(أحد الحاضرين): يا جماعة إدوا معتز فرصة ياخد نفسه ويقولنا عن الحل. إتفضل يا معتز إقعد وخد نفسك. كلنا آذان صاغية.

جلس معتز وشكر صاحب الاقتراح قائلاً أنه ذكي لأنه يقدر مقامات الرجال. تشرنق حاتم في غيظه بدلاً من ضخه بلا تفكير ، وجلس الجمع في تأهب لما سيقوله معتز.

ذهب حاتم إلى المنزل. انفجرت شرنقة الغضب وأخرجت ما بداخلها في بيته.

(ضاربًا كف على كف) شوفي الواد وكأنه كان شايلي من زمان ومستني الفرصة علشان يعمل فيها معلم. سبحان مغير الأحوال. معتز يعمل عليا أنا حاتم ابن الحاج عبد السلام معلم.

جلست فاطمة صامتة. تعلم جيدًا بغريزتها الأنثوية المُفرِطَة وجسدها الأنثوي الغض و قسمات وجهها المرسومة بريشة دقيقة لفنان بديع كيف تُلجِم هذا الفرس الآبق وتُرجعه إلى الاسطبل بمجرد النظر إليه.

وجد حاتم نفسه وكأنه يؤدي مونولجًا منفردًا، فلا جمهور ينفعل معه. تنبه إلى هذا فهدأ قليلاً ونظر إلى زوجته قائلاً.

أنت معايا يا فاطمة.

معاك يا حاتم.

أمال مالك ساكتة ليه.

ولا حاجة بسمعك.

طب أنت إيه رأيك. تخيلي معتز هايكون وكيل لأول مصنع لعمل أسنان فولاذية تركب للكبار والصغار. وكده مشكلة التعامل مع الدوم كلها تتحل. وهو هيقب لفوق قوي قوي. وأول واحد ركبه قدام الناس كان أنا يا فاطمة تصوري.

لاحظ حاتم عدم اكتراث فاطمة لما يقول. لا يعلم سر ضعفه الشديد أمامها. اجتذب صمتها الأنثوي المثير غضبه وكأنه دخل في مجال مغناطيسي شديد القوة. ظل ينظر إليها وقد تأججت نيران أخرى مختلفة وكأنه مازال في أيام الزواج الأول.

عارف يا حاتم مشكلتك إيه.

إيه.

إنك بطيء البديهة. مانكرش إنك بتاخد قرارت كويسة بس مش في الوقت الصح. الدنيا دايما سابقة تفكيرك. مش بتعرف تتجاوز اللي جواك بسرعة علشان تقتنص الفرصة. فعقبال ما بتخرج منها بيكون حد تاني غيرك لقطها.

(مستطردة): فاكر يوم وصية أبوك. لولا إني ساعدتك إنك تخرج من حالة الاضطراب بسرعة. مكنتش زمانك بقيت أكبر تاجر ملابس جاهزة دلوقتي. الفرصة محتاجة واحد صاحي، مش واحد لسه بيفكر ويتأمل وعقبال ما يخرج من الحالة بتكون من نصيب الأسرع.

ماهو يا فاطمة أبويا كان معودني على كده متنسيش إنه مخلفني على كبر. أنا من جيلكوا آه بس أبويا كان من جيل غير جيل أهلك وأهل معظم أهل البلدة.

كويس قوي أنت واخد بالك من كده. يا حبيبي أنا عايزة مصلحتك. الحاج عبد السلام الله يرحمه كان من زمن غير الزمن. ما أنكرش إن كان كلامه حكم. بس حكم راح زمانها. وبالذات في الدنيا بتاعت اليومين دول. الحركة فيها سريعة قوي واللي مش هيلحق هتبلعه في موجها. أبوك خليه ذكرى حلوة جميلة، نحكي عنها لولادنا ونقدس الحاجة واللي من ريحته لحد كده وكفاية. أفكاره خلاص أنتهت صلاحيتها. مينفعش يتعاش بيها. خليها كده زي البذور والكتب.

يعني هو الواحد يقدر يطلع من نفسه يا فاطمة.

يقدر لو عايز وكل حاجة بتيجي بالتعود. يعني حد كان يصدق إنك تبقى تاجر ملابس وعندك محل كبير وفلوس كتير. كله بيحصل بالتدريج. ومتزعلش فرصة وراحت المهم تتعلم وأول ما تتعلم الفرص هتلاقيها بالكوم مستنية الإنسان المصحصح.

ساد الصمت بعدما نجحت فاطمة أخيرًا في إصابة ظلال الماضي في مقتل.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*