أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / تعلم لتكون ..لا لتملك !

تعلم لتكون ..لا لتملك !

حميد بن خيبش

learning2أمام الوتيرة المتزايدة للتملك والإشباع، وإضفاء الطابع المادي ليس على الأشياء فحسب بل حتى على الأحياء، لم يعد بمقدورنا إخفاء غربتنا إزاء القيم الأصيلة، واهتزاز وتر الإنسانية بداخلنا على نحو يطمره تحت ركام الجشع والاستحواذ والاندراج الكامل في منظومة الإبقاء على الذات وبعض من نحبهم، ولتذهب البقية إلى الجحيم!

نعم، هبت رياح العولمة فاقتعلت جزءا غير يسير من بنائنا القيمي وتآزرنا الإنساني أمام الانحرافات والشرور. فلم يعد الإنسان، في هذا الخضم المهول من التحولات والأحداث، يأبه لغير تأمين نجاته بمفرده، وحيازة ما يضمن انفلاته من قيد المشكلات والضغوط المجتمعية، مع إبداء لامبالاة قاتلة وحياد عاصف بما تبقى فيه من تعاطف وانشغال بالغير. بل الأدهى من ذلك أن صارت التنشئة الاجتماعية تنحو هذا المنحى، وتؤسس لجيل غارق في عوالمه الافتراضية، ومتمركز حول ذاته ورغباته وأنانيته المفرطة. ولهذا نجد لدى قلة من المفكرين حرصا على إحياء التقابل الأزلي بين الخير والشر ضمن مقولات تستوعب مشكلات العصر، للتحذير من الآفات النفسية والمجتمعية التي تخلفها أنظمة سياسية واقتصادية همها الأوحد هو تجريد الإنسان من سموه ومكانته، والدفع به إلى العبودية والجنون وتدمير الذات. في هذا السياق يمكن أن ندرج أعمال الناقد والمفكر الألماني إيريك فروم التي سعى من خلالها إلى التنبيه للمخاطر التي تهدد البشرية، وما يولده التغيير المجتمعي الحديث على كافة الأصعدة من صراعات وشعور متزايد بالغربة والألم، وضرورة السعي الحثيث إلى بناء مجتمع جديد يسترد فيه الإنسان “إنسانيته”، و تترسخ فيه جذور الأخوة والتضامن والمحبة.

تناول إيريك فروم في كتابه “الإنسان بين الجوهر و المظهر” ذاك التقابل بين الأسلوبين الأكثر تجذرا في التجربة الإنسانية، وهما أسلوبا التملك والكينونة. وبين كيف أن المجتمع الصناعي الحديث من خلال مفاهيم الملكية والسلطة والربح انحاز إلى التملك على حساب الكينونة، وحرص على تشكيل القناعات ومعايير السلوك التي تجعل منه مسلكا حياتيا وحيدا. إن متعة الإنسان المعاصر هي تطويق كل شيء بسلوكه التملكي، وذاته لا يمكن أن تتحدد إلا بمقدار ما ينسبه لها من أشياء وأحياء ومشاعر. وبذلك يصبح سجين “ممتلكاته” مما يتطلب تحريره وتوجيه طاقاته الإنسانية لاستخدام مثمر، يتسم بالاستقلالية والفاعلية والعقل النقدي. تلك هي سمات الكينونة التي يعتمدها فروم نموذجا لمدينة فاضلة لا يكون هم الناس فيها إشباع الحد الأقصى لدوافعهم الشهوانية، بل ممارسة نعمة الحياة الطيبة الصالحة.

إن فروم، وهو يرسم لوحة قاتمة لإنسان مجتمع الوفرة في الغرب، يُمدنا بأفكار واستنتاجات تحدد أسباب التراجع القيمي وانعكاساته، وتبدد وهم السعادة الذي يروج له التقدم الصناعي والتكنولوجي. فالهوة المؤلمة بين الأثرياء والمعدمين تتعاظم، ومجموع المتع والملذات التي تسوقها النزعة الاستهلاكية المفرطة لا يمكن أن تشكل غاية للوجود الإنساني!

يرزح واقعنا العربي تحت وطأة مظاهر وصور متعددة لنزعة التملك المفرطة، بيد أن أكثرها إيلاما هو امتداد الأثر إلى التربية الوالدية والتعليم المدرسي باعتبارهما المسؤولين عن التنشئة الاجتماعية وإنتاج القيم. فالحديث اليوم عن “سوق تربوي ” بات أمرا ممكن في ظل هيمنة البعد الاقتصادي على كافة مناحي الحياة. ودلالة “السوق” هنا لا تقف عند معاني التسليع والتعليب وطرح البدائل الممكنة لترميم الشقوق داخل الجماعة الأسرية فحسب، بل تشمل كذلك الاستحواذ على “مستقبل” الجيل الناشئ، والتخطيط له من لدن أحد الأبوين أوكليهما وفق أسلوب التملك كما قاربه فروم. فما من أسرة اليوم إلا وتعالج مستقبل أطفالها على ضوء متطلبات الحياة الصعبة، لكن بأسلوب ينطوي على نظرة جزئية لا تحسن تقدير حاجاته الفعلية حين تحدد لتربيته وتوجيهه ومساره التعليمي بضعة أهداف مرتبطة بالتملك والإشباع والاستهلاك. لذا كانت المحصلة عجيبة: شكوى متزايدة من التراجع القيمي وتفكك الروابط الاجتماعية، يقابلها إصرار على إعداد النشء لعالم أكثر جشعا وأنانية ووحشية!

بالعودة إلى إيريك فروم نجد التقابل بين أسلوبي التملك والكينونة في المسار التعليمي يعكس واقعا نعيشه داخل فصولنا الدراسية من جهة، وانشغالات تتطلب جرأة على مستوى صنع القرار من جهة أخرى! ذلك أن صلة الطفل بالتعلم هي اليوم ميكانيكية محضة، وتلك التي يتوسلها المجتمع ينبغي أن تكون حية قوامها التأثر والفاعلية والابتكار. إن التملك، يقول فروم: حين يصبح هو الشكل الأساسي للعلاقة بالعالم فإن غاية الطفل من التعلم تكون هي الاستماع للكلمات وفهم معناها وبنائها المنطقي، ثم تسجيلها حرفيا لأجل حفظها واجتياز الامتحان بنجاح. بمعنى أن المحتوى التعليمي لا يصبح جزءا من النظام الفكري للطفل لأنه إنما يحفظه  لتثبيته في الذاكرة لا ليوظفه في إنتاج و ابتكار شيء جديد، لذا لا يخفي اضطرابه أمام أراء أو أفكار جديدة تسائل الكم الثابت من المعرفة التي حصلها.

و القراءة التي هي حوار مثمر بين المؤلف والقارئ تصبح وفق هذا الأسلوب مجرد ابتلاع للصفحات، وسعي لمعرفة الإجابة عن الأسئلة وتحديد الأفكار الرئيسية للنصوص. ويصبح تفوق الطالب وانتقاله من مستوى تعليمي إلى آخر رهينا بحجم “الملكية الثقافية ” التي حصل عليها، أي الحد الأدنى من المعارف المقررة مع امتياز الترديد بدقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أهم أسباب أزمة القراءة في مجتمعاتنا يرجع بالأساس إلى الطريقة التعليمية الخاطئة، التي تحد من قدرة الطفل على التفاعل مع النص، و النفاذ ببصيرته لاكتشاف أشياء جديدة.

ويتضح الفارق كذلك بين الأسلوبين في مجال المعرفة حين ينكمش مدلولها الوظيفي أمام هاجس الكم، وتصبح عبارة “أنا أملك قدرا من المعارف” بديلا لعبارة “أنا أعرف”. يقول فروم: (يحاول نظامنا التعليمي، عموما، تدريب الناس على الحصول على المعارف كممتلكات تتناسب، قدر الإمكان، مع ما ينتظر أن يحصلوا عليه في حياتهم بعد ذلك من ممتلكات مادية ومكانة اجتماعية. والحد الأدنى الذي يتلقونه هو القدر الذي يلزمهم لممارسة الأعمال التي يعهد بها إليهم. كذلك يعطى كل منهم قدرا إضافيا من المعارف للترف الثقافي ليزيد عند الشخص الإحساس بقيمته، ويتناسب هذا القدر الإضافي مع ما ينتظر الشخص من مكانة اجتماعية) ص52. ضمن مسار كهذا يصعب على الفرد مساءلة المقولات والأنماط الفكرية السائدة، أو حتى مجرد السعي للاقتراب من الحقيقة وتبديد الأوهام.

كيف تتعلم لتكون؟

الأمر مرتبط حتما بتشكل قناعات جديدة لدى الأسر قوامها التعاون لا التنافس المدمر، و السماح للطفل بالاندماج في الحياة الاجتماعية من حوله بدل تعزيز انسحابه إلى عالم افتراضي بذريعة الحماية المفرطة والمخاوف تجاه الآخرين. إن التعلم وفق أسلوب الكينونة كما يقدمه فروم يتيح للأطفال استقبال الأفكار والتجاوب على نحو مثمر ونشيط، ويساعدهم على تجاوز سجن الذات للتعبير عن ملكاتهم ومواهبهم واستخدام طاقاتهم الإنسانية. إنه المدخل إلى المعرفة بمعناها الوظيفي والسعي للاقتراب من الحقيقة وتبديد أوهام البيئة الاجتماعية التي يحيونها، وهو ما يقتضي رفع جملة من التحديات التي كرست حالة من القصور شبه الدائم في منظوماتنا التربوية. تحديات يستعرضها الدكتور نبيل علي بإيجاز في مؤلفه (الثقافة العربية و عصر المعلومات) كالآتي:

– إضفاء الطابع الشخصي على عملية التعليم، وذلك بتطويع المناهج و الطرائق والبرامج لتتلاءم مع الحاجات الفعلية لكل متعلم. والتقدير الفعلي للموهبة والكفاءة في الأمور الحياتية بصفة عامة.

– تنمية ملكة الحكم على الأمور وإدراك البدائل والخيارات المتاحة لمواجهة تشعب مسارات الحياة.

– تنمية الشعور بالمسؤولية الفردية وتجاوز حالة السلبية.

– تنمية الإبداع و الخيال، وهي من أصعب المهام التربوية لما تتطلبه من مناخ ملائم وأدوات مناسبة.(ص322)

وتتردد السمة الأساسية لنموذج الكينونة، أعني الاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية، على نحو ملحوظ في بعض الكتابات التربوية الحديثة التي جاءت وليدة المخاض العسير في مسار التنمية، والأزمة المترتبة عن الازدواجية بين الخطاب التعليمي و الواقع. ففي “الرؤى” التربوية والتعليمية التي أصدرها الدكتور حسن شحاتة منذ ثمان سنوات تحديدا تحضر سمات وشروط الكينونة ضمن نسق منظومي يُخضع متطلبات العولمة لبوصلة الهوية الثقافية، ويؤسس لاستراتيجية تعليمية متميزة تجمع للطفل بين ثقافة الذاكرة وثقافة الإبداع.

يطرح المؤلف جملة من القضايا والعمليات التربوية والتعليمية التي يفرضها التطوير الجوهري لنظام تعليمي جديد. وفيما يلي أهم القضايا المتصلة بنمط الكينونة:

– تحقيق ثلاثية التربية الوالدية ممثلة في تعريف الوالدين بالطرق الحديثة لتربية الطفل قبل التحاقه بالمدرسة، وضرورة التعاون الوثيق مع المدرسة، ثم الإسهام الفاعل لمنظومة الإعلام في ترسيخ فكر تعليمي جديد.

– الاهتمام بممارسات التعلم الإيجابي، كالقيام بمشروعات عملية، والتعلم التعاوني، والتساؤلات السقراطية، والرحلات التعليمية الميدانية، وإجراء التجارب وغيرها..

– الارتباط بالعالم الحقيقي من خلال إكساب الطفل مهارات الحياة، ومهارات متعلقة بالمشروعات الصغيرة، وإدارة الأعمال البسيطة المنتجة، وصنع القرار بمشاركة المعلم.

– صناعة العقل المفكر من خلال تبني مناهج دراسية تشجع على التفكير العلمي والناقد والإبداعي، وتحفز التحدي المعرفي والعقلي باستخدام مهارات التفكير المتشعب، وحل المشكلات غير النمطية، والتركيز على المشكلات الحياتية الأكثر تعقيدا.

– تطوير التعليم حتى يصبح للحياة وليس للامتحانات، وتطوير الامتحانات لقياس القدرات العليا والقيم الأخلاقية والمهارات الحياتية، والانطلاق بالممارسات التعليمية نحو ترسيخ ثقافة الإتقان وثقافة الجودة الشاملة.

وفي سياق رؤيته لوحدة المعرفة والأبعاد المستقبلية للمنجز العلمي، قدم الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، بطلب من اليونسكو، وثيقة بعنوان (تربية المستقبل)تتضمن سبع قضايا جوهرية ينبغي الحسم فيها على صعيد كل ثقافة لإعادة توجيه المنظومة التربوية نحو تنمية مستدامة. بيد أن  ثلاثا منها هي الأكثر التصاقا، برأيي المتواضع، بنمط الكينونة وسماته الأساسية.

ينحاز موران في القضية الأولى إلى الشرط الإنساني والهوية المشتركة مع الآخر من منطلق أن التربية ينبغي أن ترسخ المعرفة والوعي بالوحدة المركبة للإنسان، وكذا ضرورة التنوع الثقافي من المفروض أن تشتمل التربية على تعليم أولي وكوني يختص بالشرط الإنساني. لقد دخل البشر تجربة العصر الكوكبي خصوصا وأن مغامرة مشتركة توحد بينهم أينما كانوا. عليهم أن يتبادلوا الاعتراف بإنسانيتهم المشتركة كإطار موحد لهم. عليهم أيضا أن يأخذوا بعين الاعتبار ويحترموا تنوعهم الفردي والثقافي.” (ص45). إن ممارسات العولمة أفضت إلى نزوع شديد نحو التجانس والانغلاق، ومهمة تربية المستقبل أن تؤسس لحكمة التعايش عبر تطوير الميل نحو الوحدة والتمازج.

في حين تتعلق القضية الثانية بتعليم الفهم الإنساني، وتحريره من العوائق الخارجية كالجهل، والداخلية خاصة نزعة التمركز حول الذات والعرق والمجتمع. إننا نعيش اليوم في كوكب اخترقته شبكات الفاكس والهاتف والإنترنيت، لكن لايزال اللاتفاهم عملة سائدة بين ساكنيه، لذا فالرسالة الروحية التي ينبغي أن تنهض  بها تربية المستقبل هي ترسيخ قيم التسامح والفهم المتبادل” إن الفهم هو في نفس الوقت وسيلة وغاية التواصل الإنساني. فلا يمكن أن يكون هناك تقدم في مجال العلاقات بين الأفراد والأمم و الثقافات بدون فهم متبادل. ولفهم الأهمية الحيوية للفهم يجب إصلاح العقليات، الشيء الذي يستلزم بطريقة متناظرة إصلاح التربية.” (ص97).

أما القضية الثالثة فمرتبطة بإعادة إحياء الديموقراطية والحفاظ على مؤسساتها في ظل المشاكل المترتبة عن تلاحم العلم والتقنية والبيروقراطية. فالتطور الحاصل في مختلف مجالات العلوم أحدث شرخا اجتماعيا بين نخبة تقنو-علمية وبقية المواطنين، بل امتدت هيمنة” الخبراء ”  إلى المجال السياسي والاقتصادي مما أدى إلى إضعاف المدنية وميل المواطن إلى اللامبالاة والتقوقع في الحياة الخاصة وبالتالي تعريض الحياة الديموقراطية للتلف.

يوحي السياق الآني للحياة الإنسانية بأن في وسعنا أن نصبح سعداء، ونجعل أطفالنا كذلك، لمجرد تأمين بضع حاجيات، وتكديس منتجات تدلل على مكانتنا الاجتماعية ووضعنا المادي. وتعزز وهمنا بأن التقدم التكنولوجي هو البوابة السحرية للثروة والرفاهية والغد المشرق، فكدنا أن نفرغ التربية من مدلولها الإنساني، ونكتفي من التعليم بتخريج تروس في آلة، تدور مع المتغير الاقتصادي حيث دار في سلبية تامة، وفردية مقطوعة الجذور بالتاريخ والهوية و لقيم. كدنا أن نفعل لولا بقية مناعة داخلية، ومؤشرات تنذر بالخطر.

إن جوهر الكينونة كما عرضه فروم صرخة مفكر عاين طبيعة الكارثة، فانبرى لوضع إطار توجيهي يكفل تصحيح المسار، والعاقل كما تقول العرب من يتعظ بغيره!

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments