أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / كتاب ” الطب النفسي المعاصر: تطور المقاربات والمفاهيم “

كتاب ” الطب النفسي المعاصر: تطور المقاربات والمفاهيم “

كتاب:  الطب النفسي المعاصر: تطور المقاربات والمفاهيم
المؤلف: د. سعد الدين العثماني 
قراءة: تقية محمد الإدريسي.

” الطب النفسي المعاصر: تطور المقاربات والمفاهيم ” هو عنوان كتاب للدكتور ” سعد الدين العثماني ” صدر عن ” جمعية أصدقاء السوسيولوجيا بتطوان ” سنة 2015.

المؤلف طبيب نفساني مغربي متفرغ حاليا للعمل السياسي. يقع الكتاب في 118 صفحة في أربعة فصول يعتبرها المؤلف مساهمة معرفية للمهتمين بهذا المجال ومدخلا لمن يود التقرب من عالم النفس البشرية وفهم تقلباتها وما يحيط بها من غموض، حيث أن فهم بعض حيثياتها يسهم في الإحاطة – ولو بشكل نسبي- بالوضع الصحي، ومن ثم فإن إشاعة المفاهيم الأساسية المتعلقة بمجال الطب النفسي ونشر الوعي المرتبط به يفضي بلا شك إلى تحسين الصحة النفسية العامة. مثلما سبق ذكره فإن الكتاب مطروح في أربعة فصول والتي نقدمها فيما يلي :

أما الفصل الأول فهو عبارة عن تقديم يطرح من خلاله المؤلف مجموعة من التعاريف لمصطلحات ومفاهيم في الطب النفسي من ذلك مفهوم ” المرض النفسي ” حيث يقول : (من نقاط الغموض لدى الكثير من الناس صعوبة تصور ماهية المرض النفسي أو المرض العقلي، وتصور تفاعلاته مع المرض العضوي، وخصوصا أمراض الدماغ، وطبيعة علاقته بالأمور “الغيبية ” من سحر وعين وجن وغيرها). ليذكر فيما بعد بأنه بالنظر إلى النفس فإنها تتكون من ثلاثة مكونات: التفكير والعاطفة والسلوك، وكل اختلال يصيب واحدا أو أكثر منها تصبح النفس غير ” طبيعية ” أو غير صحية، وبالتالي فإن هذا الإختلال ما يسمى بالمرض النفسي.

وفيما يخص ” السواء النفسي “، فيمكن اعتباره مدخلا لفهم الحالة غير السليمة أو ما ليس بسواء نفسي. لكن تعريف هذا ” السواء ” ليس بالأمر الهين بحسب المؤلف، لذلك اختلف حوله المختصون وهم يتفقون أساسا على أمر واحد جوهري وهو أن الحالة السليمة هي في مقابل الحالة المرضية. ويشير المؤلف إلى أن السوي في الأصل يعني الإتساق مع نموذج معياري معين والعمل وفق ما هو طبيعي ومنتظم. هنا يطرح السؤال حول ما هو الطبيعي والمنتظم والعادي؟ وليس لصاحب هواية الإضطلاع على المجال ولا للمهتم بالتثقيف فيه أن يتقول في الإجابة على هذه الأسئلة أو يفصل فيها، لأن البيان في هذا الصدد يفرض بأن الإستشارة الطبية النفسية المتخصصة هي وحدها القادرة على تقييم وضعية الصحة النفسية للإنسان المعاين والفصل بين الحالة المرضية والحالة الطبيعية وفق مجموعة من المعايير ذكرها المؤلف بالتفصيل في الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه.

ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك ليعرف مفهوم ” العوارض النفسية “، باعتباره مفهوما يحتاج إلى توضيح في سياق فهم المرض النفسي ويتكامل مع مفهوم السواء النفسي. حيث أن ( العوارض النفسية هي أعراض يعاني منها الإنسان بسبب ضغوطات الحياة وسوء التكيف معها. وهي لا تعتبر مرضا نفسيا، لكنها عوارض تستمر لفترات قصيرة ولا تؤثر عادة تأثيرا ذا بال على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة. كما أنها أكثر انتشارا من الأمراض النفسية وينفع في تجاوزها الدعم الإيماني والنفسي والإجتماعي وتحسين نمط العيش والقيام بتمارين رياضية وغيرها. أما الأمراض النفسية – أو كما تسميها التصنيفات النفسية الحديثة : الإضطرابات النفسية – فهي مثل الأمراض العضوية، تحتاج إلى علاجات موضوعية، وقد ينفع الإيمان في التخفيف منها، لكن بالصورة نفسها التي يخفف بها من الأمراض العضوية، على اختلاف درجة ذلك التخفيف). ليختم المؤلف بعد ذلك الفصل الأول بالتفريق بين الطب النفسي وعلم النفس التي لابد من تدقيق الفوارق بينها كما يقول. حيث أن ” الطب النفسي ” هو الفرع من الطب الذي يعنى بدراسة تصنيف وتشخيص وعلاج الأمراض النفسية، وتاريخه يطابق التمييز التدريجي لمفهوم المرض النفسي وهو مجال غني بالنقاش المستمر حول علاقة النفس بالجسد. وأما ” علم النفس ” فيمكن اعتباره الدراسة العلمية للسلوك والعقل والشخصية بهدف التوصل إلى فهم هذا السلوك وتفسيره والتنبؤ به والتحكم فيه.

بعد ذلك ينتقل المؤلف للفصل الثاني الذي خصصه لتقديم أهم المحطات والمراحل التاريخية التي مر منها الطب النفسي. حيث يقول يطرح إشكال صعوبة تتبع تطور الطب النفسي عبر التاريخ بحكم أن جزءا مهما من هذا النوع من الطب – كما يقول الكاتب – يوجد متناثرا في كتب الدين والفلسفة والأخلاق، وليس فقط في الكتب المتخصصة في الطب وعلاج الأمراض. ليقدم المؤلف بعد ذلك مجموعة وقفات مر بها الطب النفسي عبر التاريخ ابتداءا بالعالم القديم ثم عند الإغريق والرومان، وفي العالم الإسلامي وأوروبا في القرون الوسطى، ليكون تقديم تلك المحاور والمحطات بمثابة دعامة لبلوغ الفصل الثالث والذي خصص بالإجمال إلى تقديم الطب النفسي المعاصر، فيطرح من خلاله أهم المدارس والإتجاهات التي مر بها الطب النفسي الحديث، إذ يجمع بينها كما يقول المؤلف خيط ناظم يجعلها متداخلة متراكبة في زمن ظهورها وتطورها، متفاعلة فيما بينها وبينها وبين تخصصات أخرى في الطب والعلوم الإنسانية. ليكون هذا الفصل الثالث بدوره كنقطة عبور إلى الفصل الذي يليه وهو الفصل الرابع والمخصص إلى المقاربات الجديدة في الطب النفسي، حيث تم من خلاله طرح كيفية تطور المقاربات والمفاهيم بعد نشأة وتطور المدارس والإتجاهات التي عنيت بالطب النفسي، وكذلك طرح هذا الفصل أهم التحولات الكبرى للقرن الماضي في اتجاه رفع المعاناة عن المرضى وتمكينهم من صحة أفضل وحياة أسعد.

إن نشر المعرفة في مجال الطب النفسي بالغ الأهمية ليس فقط بالنسبة للمهتم بالثقافة وعوالم المعرفة إجمالا ليرتفع لديه منسوب الإضطلاع ورصيد المعلومات المحفوظة بالذهن، وإنما لكون الثقافة في مجال النفس يمكن وصفها كدافعة نحو تحسين الصحة النفسية العامة ورافعة للحجب عن الأفكار السلبية الرائجة حول اللجوء للعلاج النفسي باعتباره لا يكون إلا في حالة الجنون كما هو رائج أو إلا في الحالات الشاذة، في حين أن كثيرة هي الحالات التي تستدعي تدخلا علاجيا طبيا والتي قد تتفاقم إلى سوء لا يحمد عقباه إن لم تتم معالجتها كما يجب وكان التكتم عليها أو مواكبتها بما لا يناسبها، كون النفس البشرية شديدة التعقيد ومجردة بخلاف الأمراض العضوية، وأمراض النفس ليس كل من قرأ عنها أو سمع بها عارف بها، إنما تشخيصها وعلاجها يعتبران مهمة دقيقة وحده المتخصص في الطب النفسي من بإمكانه القيام بها على أصولها كما نقول. ثم إن الفهم الخاطئ لخصائص الطب النفسي المعاصر، ولإمكاناته وتطوراته، يعدّ واحداً من الأسباب التي تمنع الكثير أفرادا ومجتمعات من الإستفادة منه. وبالنظر لكون معرفة الداء نصف الدواء، فإن التوعية ونشر المعرفة في هذا النوع من المجالات يسهم بشكل حقيقي لتحسين الوضع الصحي للمجتمع ككل.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. فقط فرودگاه مهر آباد D: ( -1 )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*